Skip to content

تفسير القرآن الكريم - المقدم تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Printed page ١٣٦/ ٢

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)

يقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى))، أي: من آدم وحواء، أو من ماء الذكر من الرجال ومن ماء الأنثى من النساء، وفي ذلك إشارة إلى خلق كل بني آدم من ذكر وأنثى، أي أن كل مولود من بني آدم يأتي من أب وأم كما قال ﷾: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٧ - ٨].

فما منكم أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواءً بسواء، وما منكم أحد يقدم على أحد في عنصره أو في أصله، بل كلكم ترجعون إلى آدم، وآدم خلق من تراب.

فلا وجه للتفاخر والتفاضل في الأنساب؛ لأن هناك وجه ارتباط بين هذا الخطاب في هذه الآية الكريمة وبين ما قبلها، فإنه ﷾ بعدما نهى عن الغيبة وعن احتقار الناس بعضهم لبعض وسخرية بعضهم من بعض، نبه على أنه لا يسوغ لأحد أن يحتقر أخاه أو أن يسخر منه؛ لأنهم متساوون جميعاً في البشرية، فقال الله ﷿: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)).

فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب؛ لأن النسب ليس إرادياً وليس يملكه الإنسان، وإنما كل يدلي من حيث يدلي به الآخر إلى ذكر وأنثى وإلى آدم وحواء.

((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا))، قال الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضاً نسباً بعيداً، وبعضكم يناسب بعضاً نسباً قريباً، ليعرف بعضكم بعضاً في قرب القرابة منه وبعده، لا فضيلة لكم في ذلك وقربة تقربكم إلى الله، بل كما قال الله ﷾: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) أي: أشدكم اتقاءً له وخشية، بأداء فريضته واجتناب معاصيه، لا أعظمكم ملكاً ولا أكثركم عشيرة.

فلما تساوى البشر كله في البشرية، ذكر الله ﷾ أن ناساً إن كان بعضهم يتفاخر على بعض بنسب وحسب، فإن هذا لا اعتبار له عند الله ﷾، وإنما الاعتبار بالعمل الصالح والتقوى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)).

وقال النبي ﷺ: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

((إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))، أي: بظواهركم وبواطنكم، وبالأتقى والأكرم وغير ذلك، لا تخفى عليه ﷾ خافية.