Skip to content

تفسير القرآن الكريم - المقدم الاستدلال بالآية على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Printed page ١٣٠/ ٦

الاستدلال بالآية على إثبات رؤية الله ﷾

قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح:١٢] بعض الأذكياء من الناس يقول: إن هذه الآية تعتبر دليلاً لأهل السنة في إثبات الرؤية! فالاستدلال هنا أن كلمة: (لن) تفيد النفي في المستقبل، لكن هل تفيد التأبيد أم لا تفيد التأبيد؟ هذه الآية ظاهره في أن (لن) ليست للتأبيد؛ لأن (لن) لو كانت تفيد التأبيد لما قال: (أبداً)، فلما قال: (أبداً) دل على أن النفي بـ (لن) لا يفيد التأبيد، والشاهد من كلام ابن مالك في هذه المسألة: ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا يعني: ارفض هذا المذهب وتمسك بالمذهب الآخر.

يقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]: قال (لن تراني) فالمعتزلة يستدلون بهذه الآية على أن (لن) تفيد النفي المؤبد، فيفسرون (لن تراني) يعني: يستحيل أن يراني أحد.

أهل السنة يقولون: لا، هو لم يقل: (لن تراني أبداً)، وإنما قال: (لن تراني) بمعنى: لن تراني في الدنيا، وهذا لا يتنافى مع الأحاديث المتواترة -بل والآيات- التي أثبتت رؤية الله ﷾ في الآخرة، فالشاهد أن الآية هنا: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ) ظاهرة بأن (لن) ليست للتأبيد، ومن زعم أنها تفيد التأبيد جعل (أبداً) توكيداً.

والدليل أيضاً على الذي ذكرناه قوله ﷾: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]، فلو كانت تفيد التأبيد لوحدها لما ذكر معها (أبداً)، هذا مع أنه ﷾ قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فهذا تمن للموت.

وكذلك لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠]، فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد، فهي تنفي في المستقبل لكن ليس نفياً مؤبداً.