Skip to content

تفسير القرآن الكريم - المقدم شبهة أحاديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Printed page ١٢٢/ ٣٥

شبهة أحاديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء

هناك حديث: (أن رجلاً قال للنبي ﵊: يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم)، وجاء في حديث آخر: (لا تفضلوني على يونس بن متى، ولا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى)؛ فهذه الأحاديث تنهى عن التفضيل بين الأنبياء.

الجواب

أن بعض العلماء سلك مسلك الترجيح بأن هذه الأحاديث آحاد، وأفضلية النبي ﷺ ثابتة بالقرآن والسنة المتواترة والإجماع، فتكون راجحة بلا نزاع، هذا مسلك.

المسلك الآخر: الجمع، وهو من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الأحاديث خرجت مخرج التواضع، مع الإشارة إلى حفظ مقام يونس ﵇.

الوجه الثاني: أنه قالها قبل أن يُعلمه الله بأفضليته عنده، فحين قالها لم يكن أوحي إليه هذه النعم العظمى التي أمره فيما بعد أن يخبر بها، كما في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) يعني: ولا أقصد بذلك الفخر، لكن هذا من الوحي الذي لا ينبغي أن أكتمه؛ لأن من مقاصد الرسالة تعظيم النبي ﵇ التعظيم اللائق به كما قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩].

إذاً: الوجه الثاني: أنه قالها قبل أن يعلمه الله بأفضليته عنده، وبيان ذلك أن الله تعالى والى إفضاله على نبيه وقتاً بعد وقت، ولحظة بعد لحظة، فكان أول ما قال في الإنذار: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ثم: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢]، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، ثم صرف إليه الجن وبعثه إليهم أيضاً، ثم عمم بعثته فقال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١].

ثم أسرى به وأراه من آياته ما زاده رفعة وعلواً، ثم لما أمره بالجهاد، أمر الملائكة أن يجاهدوا معه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، أمر الملائكة أن يقاتلوا معه، وأن يكونوا من جنده ﷺ، وهكذا كلما مرت على النبي ﷺ لحظة زاد في نفسه فضلاً، ونال من مولاه موهبة، فكلما نزلت عليه آية أو سورة ازداد بها علماً وقربى، فكان علمه بأفضليته متأخراً عن صدور تلك الأحاديث منه، وقد قال ﷺ بعدها: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فكل فضل آتاه الله نبياً من الأنبياء اجتمع هذا الفضل كله في رسوله محمد ﷺ، فإذا كان الله أثنى على إدريس بقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، فلا يمكن أن يبلغ علو إدريس ﵇ ما بلغه رسول الله ﷺ حينما قال ﵎: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، هل هناك ما هو أعظم من ذلك؟ إذا كان هود ﵇ نصر بالريح فقد نصر محمد ﷺ بالريح يوم الخندق في غزوة الأحزاب.

إذا كان يوسف ﵇ قد أوتي شطر الحسن فإن رسول الله ﷺ قد أوتي جميع الحسن ﵊، حتى كان من جمال صورته الشريفة ﵇ ما حكاه بعض الصحابة: أنه رأى وجه رسول الله ﷺ في ليلة من الليالي في حلة حمراء، وكان القمر مكتملاً، فجعل الصحابي ينظر مرة إلى القمر ومرة إلى وجه رسول ﷺ، فرآه أجمل من القمر؛ من شدة الحسن الذي آتاه الله ﷾.

إذا كان موسى ﵇ من معجزاته أنه نبع الماء من الحجر فإن الماء نبع من أصابع النبي ﷺ الشريفة، وهذا بلا شك أقوى وأعظم.

إذا كان موسى ﵇ من معجزاته انقلاب العصا إلى حية، فأيضاً حصلت معجزة حنين الجذع للنبي ﷺ، فنفس الجذع كان يحب الرسول ﵊، فلما أمر بأن يتخذ له منبراً، وكان هناك جذع في المسجد يعتمد عليه النبي ﷺ أثناء الخطبة، ففي أول يوم أتى الرسول ﵊ ليصعد إلى المنبر، ومر على الجذع ولم يستند إليه كالعادة -وهذا الحديث ثابت قطعاً، وهو متفق عليه-، فعلى مرأى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن حن الجذع وبكى وارتفع صوته! وهذه آية من آيات الله ﷿، يحن حنيناً إلى رسول الله ﷺ ويبكي بكاءً لفراقه، حتى نزل من على المنبر وأخذ يضمه إليه حتى سكت وله حنين كالطفل الذي يبكي ثم يهدأ ويظل يأتي ببعض الأصوات من شدة البكاء، فهكذا حن الجذع إلى النبي ﵌!! إذا كان موسى ﵇ قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، فإن الله هو الذي قال لخليله محمد ﵇: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، فالله ﷾ يحب أن يرضي رسول الله ﷺ، ويقول تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤]، ﵊.

وتلاحظون أنني دائماً أستعمل كلمة (خليله) بدل (حبيبه) كما يجري على ألسنة الناس أنهم يصفونه بالمحبة، وهو لا شك حبيب الله ﷿، لكن الأفضل أن تقول: خليل؛ لأن الخلة أعلى درجات المحبة، فقولك: حبيب الله فيه تقصير؛ لأن الله اتخذ محمداً خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، كما صح بذلك الحديث.

وإذا كان الله ﷾ قال لموسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩]، فإنه قد قال في حق محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، يعني: اتباعه ﷺ يجلب للإنسان فضيلة ونعمة ما بعدها نعمة: ﴿اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ُ﴾، وهذه بلا شك أعظم.

وإذا كان داود ﵇ قد كانت الجبال تسبح معه، فقد سبح الحصى والطعام بين يدي رسول الله ﵌.

وإذا كان سليمان ﵇ قد أوتي ملكاً عظيماً، فإن محمداً ﷺ أوتي مفاتيح خزائن الأرض، وامتد ملك أمته حتى شمل معظم الكرة الأرضية.

وإذا كانت الريح سخرت لسليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإن البراق سخر له إلى حيث شاء الله ﷾ من المنازل العالية.

على كل الأحوال: هذه إلمامة عابرة، وبقي كلام يسير متعلق بهذه المسألة، وهي خصائص رسول الله ﵌، نكملها بإذن الله في الدرس القادم.