تفسير القرآن الكريم - المقدم
روح القدس هو جبريل ﵇
((وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)) قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة: روح القدس هو جبريل ﵊، وهذا التعبير في حق جبريل ﵊ كثير في القرآن والسنة كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل:١٠٢]، وقال ﵎: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧] أي: جبريل ﵊، وقال ﵎: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] وهو جبريل ﵊.
وفي الحديث قال ﵊ لـ حسان بن ثابت رضي الله تعالى: (اهجهم -أي: المشركين- وروح القدس معك)، وقال له مرة: (اهجهم وجبريل معك)، فهذا تفسير واضح وصريح من النبي ﵊ يدل على أن جبريل هو روح القدس.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ وضع لـ حسان بن ثابت منبراً في المسجد فكان ينافح عن رسول الله ﷺ -أي: يدافع عن الرسول ﵊ ويدفع عنه إيذاء المشركين بشعره- فقال رسول الله ﷺ: (اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك) رواه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي موصولاً، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
عن أبي هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر بـ حسان وهو ينشد الشعر في المسجد؛ فلحظ إليه عمر بعينه، كأنه ينكر عليه، أتنشد الشعر داخل المسجد؟! فكأن حسان فهم من هذا اللحظ وهذا النظر من عمر ﵁ أنه ينكر عليه أو يهم أن يفعل به شيئاً، فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، يعني: رسول الله ﷺ، ثم التفت إلى أبي هريرة ﵁ فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله ﷺ يقول: (أجب عني -يعني دافع ونافح عني- اللهم أيده بروح القدس)؟ فقال: اللهم نعم، يعني أبو هريرة قال: نعم سمعت الرسول ﵊ يقول ذلك، وفي بعض الروايات: (اهجهم وجبريل معك)، فهذا كله يدل على فضيلة المنافحة عن الإسلام كما في بعض الأحاديث الأخرى، يقول النبي ﵊: (لهو أشد عليهم من النبل أو من السهام) أو كما قال ﵊، أي: أن هجاء المشركين بالشعر أشد عليهم من وقع النبل، وهذه صورة من صور الجهاد في سبيل الله ﵎، وهي الدفاع عن الإسلام ضد حملات أعدائه بالكلام، ولو بإنشاد الشعر، ولو بأي أسلوب من هذه الأساليب التي هي دون الصدام المسلح مع أعداء الله ﵎.
الشاهد: أن جبريل يطلق عليه الروح القدس كما أطلق عليه الروح الأمين.
وكان حسان رضي الله تعالى عنه يقول في شعره: وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاء وجبريل رسول الله فينا، يعني: رسول من عند الله يأتي بالوحي للنبي ﷺ.
وقال الله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، المقصود به في هذه الآية: جبريل ﵇.
قال النحاس: سمي جبريل روحاً، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله ﷿ له روحاً من غير ولادة والد ولده، فجبريل ﵇ خلقه الله ﷾ روحاً خلقاً مباشراً، لم يكن عن طريق ولادة من والد، كذلك سمي عيسى روحاً أيضاً لأجل هذا؛ لأنه خلق بكلمة: (كن)، فلذلك يسمى أحياناً كلمة الله، أو روح الله؛ لأنه ولد مباشرة بدون والد، وإنما ولد بكلمة الله، وبأمر الله.