Skip to content

تفسير أحمد حطيبة أمثلة من أدب الأنبياء مع رب العالمين

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ١٣٤/ ٦

أمثلة من أدب الأنبياء مع رب العالمين

إن في القرآن مواضع تذكر أدب الأنبياء مع رب العالمين، كما في سورة الكهف في قصة موسى والخضر عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك أن الخضر لما سار مع موسى وأراه ثلاث آيات عجيبات قال بعد ذلك: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨]، فذكر منها قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أن الخضر نبي من أنبياء الله ﵊ ولا يفعل شيئاً إلا بوحي من الله ﷾، فالله هو الذي أوحى إليه أن يخرق هذه السفينة؛ لأن هناك ملكاً يأخذ السفية من أهلها غصباً، والخرق شيء من العيب؛ لأنه يخربها ويفسدها؛ ولذلك قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أن موسى يعرف أن هذا وحي من الله، لكن الأدب في الكلام عن الله سبحانه أن ينسب فعل العيب إلى نفسه، قال تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].

وأما في أمر الغلام الذي قتل فقد قال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤]، فقال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] أي: كان والداه صالحين، قال: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]، أي: أردنا نحن، مع أن المريد أصلاً لذلك والذي أمر بذلك هو الله ﷾، ولكن أدب الخضر جعله ينسب إلى نفسه ذلك، فقال: فأردنا، وكأنه يقول: نحن وافَقْنَا ربنا ﷾ في ذلك، فالله أخبرنا بالحكمة فكان هذا الصواب فأردنا ذلك؛ لأن الله يريد، فلم يقل أراد الله قتله، وإن كانت هذه هي الحقيقة، ولكنه نسب ما ظاهره قد يوهم العيب إلى نفسه، فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، وفي أمر الغلام قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١].

وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ [الكهف:٨٢]، فهو عمل نافع، لأنه رأى أن الجدار سيقع فقام وعدله وهذا فيه منفعة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فلما كان خيراً محضاً في الظاهر والباطن نسبه إلى الله ﷾؛ تأدباً مع رب العالمين سبحانه.

إذاً: فالأنبياء لما يتكلمون عن رب العالمين فإنهم يكونون في غاية الأدب مع الله ﷾، وانظر إلى قول النبي ﷺ في الحديث: (والشر ليس إليك)، مع أن النبي ﷺ يخبرنا عن ربه سبحانه في القرآن، فيقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فما كان من شيء إلا والله خالقه من خير وغيره، ولكن خلق الله للأشياء هو خير من الله سبحانه، فخلق المؤمن وخلق الكافر كله خير من الله ﷿، فالله خلق المؤمن ليدخله الجنة، وخلق الكافر ليجاهده المؤمن؛ فيدخل المؤمن الجنة، فكأن الله لو لم يخلق هذا الكافر فإن المؤمن لن يصل إلى الدرجات العالية، فكان في الخلق خيراً للمؤمنين، ولذلك قال ﷺ: (والشر ليس إليك)، فكل ما خلقته فورائه خير سواء لنفسه أو لغيره.

وكذلك في سورة الكهف ذكر الله فتى موسى واسمه يوشع بن نون، فعندما نسي الحوت قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، فالذي يقدر للإنسان أن يتذكر والذي يحجب عنه ذلك هو الله ﷾، ولكن يوشع بن نون يقصد أنه نسي على وجه من الشر، فالشيطان تسبب في ذلك، ولم ينسب ذلك إلى الله ﷿، وأما من حيث الخلق فالله خالق كل شيء ﷾.

نعود إلى الآية قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨٠ - ٨١]، أي: الذي هو قادر على الإماتة وقادر على الإحياء وحده لا شريك له، هل أصنامكم تفعل ذلك؟ فربي يفعل هذا كله.

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]، والكلام هنا عن يوم الجزاء ويوم الحساب، فهذا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يطمع في رحمة ربه يوم الدين، فكيف لا يطمع غيره في ذلك؟! قال: ﴿الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء:٨٢]، وما كانت خطيئة إبراهيم؟ لم يذكر لنا ذنبٌ أذنبه إبراهيم إلا أنه كذب ثلاث كذبات، وهو مضطر لذلك على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالنبي ﷺ يذكر في الحديث أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، والظاهر أن هذه الكذبات كانت من باب التعريض، أي: أنه يعرض فيقول كلاماً ليوهم غيره، وهذا أمرٌ واضح.