تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ولكني أراكم قوماً تجهلون)
فكان
الجواب
﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢]، أي: لتصدنا وتصرفنا عن آلهتنا التي نعبدها من دون الله سبحانه، ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ))، أي: إن كنت تقدر على فعل شيء فافعل ما تقدر عليه، ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣]، فوصفهم بالجهل؛ لأنهم يجهلون قدرة الله ﷿، ويجهلون قوة الله سبحانه، ويجهلون فضل الله ﷿ عليهم، فهو الذي أعطاهم ما يجعلهم يعبدونه وحده، ويجهلون ضعف أنفسهم وحقارة أبدانهم التي ظنوا أنها تقيهم أو ينتفعون بها، فحذرهم نبيهم ﵊، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٦٩]، وهذا مما دعاهم إلى أن يتطاولوا على نبيهم صلوات الله وسلامه عليه عندما دعاهم إلى الله، وحذرهم منه، وكأنه يقول لهم: إذا كان الله زادكم بسطة في الجسم، وبسطة في الهيئة، فاذكروا ما صنع بقوم نوح من قبلكم، فقد عمروا أكثر منكم، ومع ذلك جاءهم العذاب من عند الله، فقالوا: ﴿أْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٢ - ٢٣]، فأي نبي وأي رسول لا يملك مجيء العذاب لقومه، فالله يأتي بعذابه وقت ما يشاء، والنبي ﷺ إنما عليه أن يحذرهم وينذرهم غضب الله سبحانه، أما أنه يملك مجيء العذاب فهذا لا يملكه، وإنما الله ﷿ يفعل ما يشاء في الوقت الذي يريده ﷾، وقد يظن الإنسان أن هؤلاء يستحقون العقوبة العاجلة فيؤخرها الله ﷿، وقد يظن أن هؤلاء يستحقون العذاب فيعفو الله ﷿ عنهم، فلا يملك نبي لقومه شيئاً إلا أن يدعو قومه إلى الله ﷿، أما أنه يأتي بالعذاب فهذا ليس بيده، ولذلك قال لهم نبيهم ﵊: ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ))، أي: أن وقت هلاككم هو إلى الله ﷿، وإنما علي البلاغ، ((وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ))، فأي أخلاق من هذا الكافر عندما يستعجل العذاب! وعندما يطلب العقوبة من الله ﷿.
وإن من أخلاق الكفار: العلو في الأرض بغير الحق، والإفساد في الأرض، والتعالي على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وعدم الإيمان بالله سبحانه، فهؤلاء صنعوا ذلك، وربنا يذكر نبيه ﷺ بهؤلاء القوم الذين يشبه صنيعهم صنيع قريش مع النبي ﷺ، قال تعالى: ((قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ)) [الأحقاف:٩]، فهذا الذي ابتدأ الله ﷿ بذكره في هذه السورة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف:٩]، لذلك ربنا يذكر بالأنبياء السابقين، فنفس الذي قاله الأنبياء السابقون، ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ)) هو الذي قاله النبي ﷺ، ((وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا)) أي: لا ندري متى نموت؟ وبأي طريقة يكون الموت؟ فعلم ذلك عند الله ﷿ ((َمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ))، فكذلك من قبل قال هذا النبي الكريم هود ﵊.
والكفار الذين قالوا للنبي ﷺ: عجل لنا العذاب، ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، قد قاله السابقون قبلهم، قال الله على لسانهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧]، وكذلك هؤلاء اللاحقون عندما دعوا على أنفسهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، أليس هذا يدل على جهلهم؟ فقال لهم نبيهم السابق هود ﵊: ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ))، فالجهل موجود في الأمم الماضية.
وكذلك البعد عن الله ﷿، وطلب ما لا يحل لهم، فبنو إسرائيل جاءهم نبيهم يدعوهم إلى الله ﷾، فإذا بهم بمجرد ما ينجيهم الله يقولون: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فهذا هو الجهل، والبعد عن الله سبحانه، وطلب ما لا يحل.
فكذلك هنا ذكر الله ﷿ عن نبيهم أنه قال: ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) أي: باستعجالكم عذاب الله ﷾.