تفسير أحمد حطيبة
من فضائل أبي بكر الصديق ﵁
قال العلماء: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ أسلم هو وأبوه وأمه وأبناؤه إلا أبو بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، فلذلك ذكروا أنه هو الذي تتعلق به هذه الآية، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال علي ﵁: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، فقد أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده.
ووالده: أبو قحافة، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وأمه: أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد، وأم أبيه قيلة، وامرأته قتيلة رضي الله ﵎ عنه وعن أهله المسلمين الذين تابعوا النبي ﷺ، وكان أبو بكر ﵁ أكثر الناس بعد النبي ﷺ عملاً صالحاً، فقد دعا ربه: أوزعني أن أعمل صالحاً ترضاه، فألهمه الله ﷿ ذلك، حتى شهد له النبي ﷺ بقوة الإيمان، وشهد له بالجنة صلوات الله وسلامه عليه، وذكر النبي ﷺ أنه لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ وإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ لرجح إيمان أبي بكر على إيمان الأمة ﵁، ويكفيه شرفاً وفخراً أن لقب بـ الصديق ﵁، فلا يكره ولا يبغض أبا بكر إلا منافق ومجرم وملعون.
إن فضائل أبي بكر كثيرة، وقد شهد له بها علي ﵁، وشهد ابن عباس وهو من آل بيت النبي ﷺ، قال ابن عباس ﵁: دعا أبو بكر ربه بقوله تعالى: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)) قال: فأجابه الله ﷿، فأعتق تسعة من المؤمنين المعذبين في الله ﷿، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة رضي الله ﵎ عن الجميع.
ولم يدع شيئاً من الخير إلا أعانه الله ﷿ عليه ببركة دعائه، واتباعه للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سأل أصحابه فقال: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)، ولم يحصل في ذلك اليوم هذا الفضل إلا لـ أبي بكر رضي الله ﵎ عنه، فشهد له النبي ﷺ مراراً بأنه من أهل الجنة ﵁.
وشهد له بالصديقية يوم أن وقف على جبل أحد ومعه عمر، فاهتز الجبل بمن عليه فوطأه النبي ﷺ بقدمه، وقال: (اثبت أحد فإنه ليس عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد)، فالصديق هو: أبو بكر الصديق، والشهيد هو عمر رضي الله ﵎ عن الجميع.
ودعا أبو بكر ربه فقال: ((وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي))، فأصلح الله ﷿ له ذريته، فمنهم: ابنته عائشة ﵂، ومعلوم فضلها، ومنهم: أسماء رضي الله ﵎ عنها، ومنهم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله ﵎ عنه، ومعلوم فضله وخاصة في جهاده في سبيل الله، وبلائه العظيم في يوم اليمامة، وبطولته المنقطعة النظير رضي الله ﵎ عنه، ومن فضل أبي بكر وآل أبي بكر رضي الله ﵎ عنه قوله: ((وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، فكانت سنة للمسلمين أن يقتدوا بـ أبي بكر في الدعاء، وأن يتبعوا هذه الآية العظيمة، وأن يدعوا باسم الله الذي يعين على العمل الصالح، والذي يصلح الذرية، والذي يؤدب ويربي ويرزق سبحانه، فأنت عليك الدعاء والله عليه الإجابة والتثبيت سبحانه.
قال مالك بن مغول: شكا أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف رضي الله عن الجميع، وكأن ابنه يعصيه ويقع في شيء من المعاصي، فقال طلحة بن مصرف: إذا رأيت من ابنك نفوراً أو بعداً عن الطاعة فاستعن عليه بهذه الآية التي فيها الدعاء، قال الله تعالى: ((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)).
فتدعو ربك بصلاح الذرية، وتستعين بالدعاء، والله ﷿ يرفع عنك وعن أولادك البلاء.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله ﷿، والرجوع إلى أمره سبحانه الذي أمرك أن تكون عليه، قال تعالى: ((وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) أي: من المخلصين الموحدين الله سبحانه.