تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماماً)
قال الله ﷿: ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)) أي: من قبل هذا القرآن، فليس القرآن أول كتاب نزل من السماء، بل إن الكتب السماوية نزلت قبل ذلك، وليس النبي ﷺ بدعاً من الرسل، ولا هذا الدين بدعاً من الدين، فالدين عند الله الإسلام الذي جاءت به الرسل جميعهم عليهم الصلاة والسلام.
وكان قبل هذا القرآن كتاب موسى لبني إسرائيل أنزله الله على نبيهم موسى ﵇، والفرق بين موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما أن موسى أرسل لبني إسرائيل خاصة، والنبي ﷺ أرسل إلى الخلق عامة، وهذا فرق بينه وبين جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ففضل ﷺ على الجميع بأنه أرسل إلى الثقلين: الإنس والجن، وإلى الخلق جميعهم إلى قيام الساعة، ولا نبي بعده صلوات الله وسلامه عليه، حتى حين ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليقتل الدجال فإنه يحكم بشرع النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكون تابعاً للنبي ﷺ، ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى))، وهو كتاب شريعة.
وكثيراً ما يذكر الله سبحانه موسى وكتابه إذا ذكر النبي ﷺ، وكما ذكرنا أن بين موسى ومحمد عيسى ﵊، ولكن كتاب عيسى ليس كتاب تشريع، وكتاب موسى ﵊ كتاب تشريع.
ولذلك فإن المفترض أن يعمل النصارى بالكتابين: كتاب موسى وهو التوراة الذي يسمونه بالعهد القديم، فهو عندهم كتاب الشريعة، وكتاب عيسى وهو الإنجيل، وهو كتاب مواعظ وليس كتاب حكم.
وفي الكتابين البشارة بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال المسيح عيسى فيما أثبت الله ﷿ في كتابه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فجاء عيسى صلوات الله وسلامه عليه ليصدق التوراة كتاب موسى السابق، ويبشر بالنبي ﷺ الذي يأتي من بعده.
وقوله تعالى: ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)) أي: إماماً يقتدى به، فجعل الله لبني إسرائيل كتاب التوراة نوراً وإماماً يتبعونه ويعملون بما فيه حتى يصلوا إلى رحمة الله ﷿، فمن رحمة الله ﷿ أن أنزل الكتب من السماء شريعة للعباد؛ ليعرفوا منهج الله سبحانه ويتبعوه، فـ ((كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً))، وهذا القرآن العظيم: ((كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)).
((وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ))، إما مصدق للكتب السابقة أنها نزلت من عند رب العالمين، أو أنه (مصدق لساناً) أي: رسول ينطق باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه، فيصدقه فيما يقول أنه رسول ويثبت ذلك، فهو كتاب مصدق للكتب السابقة، ومصدق للنبي الأمي الذي يتكلم باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه، ((مُصَدِّقٌ لِسَانًا)) حال كونه لساناً عربياً، أو حال كون الرسول ينطق باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه.
إن هذا القرآن ينذر الله ﷿ به الظلمة الكفرة الذين ظلموا أنفسهم وأشركوا بالله سبحانه، ويبشر الله ﷿ به المحسنين الذين عبدوا الله ﷾ ابتغاء رضوانه ورحمته، واتقاء ناره وعذابه، ولهذا قال: ((وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ))، وهنا قرئت (لينذر) بالغيب وبالخطاب.
فقرأها (لتنذر): نافع، وأبو جعفر، والبزي عن ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب يقرءونها بتاء المخاطب، والمعنى: لتنذر يا محمد ﵊، وباقي القراء يقرءونها (لينذر)، والمعنى: أن هذا القرآن ينذر الله ﷿ به الظلمة الذين ظلموا، وأعظم الظلم: الشرك بالله ﷾، وأول الظلمة المشركون والكفار.
((وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)) أي: بشارة يبشرهم الله ﷿ بها، ويخبرهم بما يسرهم ويفرحهم وبما يغبطون عليه في مستقبلهم عند رب العالمين سبحانه، فإذا أحسنوا فلهم جنة الله، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.