تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: لقد فضلناهم على كل عالمَ زمانهم، فما كان أحد منهم يعبد الله ﷾ إلا موسى ﵊ ومن معه من بني إسرائيل، فقربهم الله ﷿ واختارهم في هذا الزمان، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، فالله ﷿ يبغض المشرك الذي يكفر بالله سبحانه، بينما الذي يوحد الله سبحانه يحبه، فقبل مبعث النبي ﷺ لم يكن على التوحيد إلا القليل من بقايا أهل الكتاب؛ فقد كان أهل الكتاب منتشرين في كل مكان، فكان منهم من هو على دين موسى عيه الصلاة والسلام، ومنهم من هو على دين عيسى ﵊، فوحدوا الله ﷿ ولم يشركوا به شيئاً، فلم يقولوا: عزير ابن الله، ولم يقولوا: المسيح ابن الله، وإنما عبدوا الله ﷾.
فهؤلاء هم الذين كان سلمان يدور بينهم ﵁، فقد كان أبوه صاحب بيت النيران لملوك الفرس، وكانوا يعبدون النار من دون الله ﷿، فهرب سلمان من بيت أبيه واتبع أهل الكتاب، وأخذ يبحث عن الدين الحق، حتى أظله زمان النبي صلوات الله وسلامه عليه، فعبد الله سبحانه قبل مبعث النبي ﷺ وبعد ما جاء النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فهؤلاء كانوا بقايا من أهل الكتاب، فكان سلمان يذهب إلى واحد منهم فيقول له: علمني، فيعلمه ويقول له: كن معي، فيمكث معه سنين يعبد الله ﷿ على التوحيد الخالص، ثم إذا دنا الأجل من هذا الراهب يقول سلمان: بمن توصيني؟ أي: أن اذهب إليه فاعبد الله معه، والبلد كلها فيها نصارى، لكن الراهب يعلم أنهم على الباطل، ولذلك يقول له: اذهب إلى المكان الفلاني فإن فيه راهباً يعبد الله سبحانه، يعني: على التوحيد الذي أنا عليه، فيذهب للمكان الفلاني، والمكان مليء بالنصارى، ولكن هذا الراهب موحد لله ﷿، فيذهب إليه سلمان الفارسي ﵁ ويمكث معه فترة من الزمن، فهو ﵁ قد مكث مع رهبان كانوا موحدين الله سبحانه، وبعضهم كان منافقاً مجرماً يأخذ أموال الناس بالباطل، فعندما يموت إذا بـ سلمان يفضحه ويقول للناس: هذا كان يأخذ أموالكم، ويجعله في المكان الفلاني، فيذهبون إلى المكان فيجدون أموالهم، فهو لم يكن يعبد الله حق العبادة، فيأخذونه ويحرقونه بعد موته.
وفي النهاية: مكث عند راهب من الرهبان، وعند دنو الأجل منه قال: لا أعلم أحداً على الأرض يعبد الله ﷾، ولكن قد أضلك زمان نبي يبعث في بلاد العرب.
فإذا بـ سلمان يسافر إلى بلاد العرب مع مجموعة من العرب في قصة طويلة، وفي النهاية يسترقّونه بعد ما كان له شأن ﵁، فصار عبداً رقيقاً، وباعوه من يهودي في المدينة، وصار عبداً عند يهودي في المدينة، حتى قدم النبي ﷺ إلى المدينة، وكان الرهبان قد أخبروا سلمان بصفات النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن صفاته أن بين كتفيه خاتم النبوة صلوات الله وسلامه عليه مثل بيضة الحمامة، ومن صفاته ﵇ أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإذا بـ سلمان يختبر وينظر هل هذا رسول الله أم لا؟ فيذهب إلى النبي ﷺ ويأخذ معه تمراً فيقول: هذه صدقة.
فإذا بالنبي ﷺ يرفع يده ويعطيها لأصحابه يأكلون، وسلمان شاهد ينظر ذلك، ثم يأتي له مرة أخرى بطبق فيه تمر ويقول: هذه هدية، فيأكل منها النبي ﷺ ويعطي من معه فيأكلون، ثم إذا بـ سلمان يدور حول النبي ﷺ يريد أن ينظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فانتبه النبي ﷺ لذلك فأسقط ردائه ﷺ، فنظر لخاتم النبوة بين كتفيه، فأسلم سلمان ﵁ واتبع النبي ﷺ، وأراد أن يخرج من الرق لكن لا يقدر أن يخرج من ذلك، فأمره النبي ﷺ أن يكاتب صاحبه، فإذا باليهودي يتعنت ويقول: ازرع لي ثلاثمائة شجرة وأنا أتركك، فإذا بالنبي ﷺ يطلب من أصحابه أن يعينوه، فأعانه أهل المدينة بثلاثمائة فسيلة، فكان كل منهم يعطيه شيئاً، والعادة أننا عندما نغرس غرساً فليس كل غرس يخرج، فمنها ما يموت، ومنها ما يخرج، فإذا بالنبي ﷺ يدعوا بالبركة، ويذهب مع سلمان ﵁ فتخرج جميعها وتنبت، وكلها كانت صالحة، فيعتق سلمان ﵁ ليجاهد في سبيل الله ﷾.
والغرض من ذلك كله: بيان أن أهل الكتاب كان القليل منهم قبل بعثة النبي ﷺ على الحق، فهؤلاء الذين يحبهم الله ﷿، ففي عهد موسى ﵊ كان أهل الأرض جميعهم منه من يعبد الأصنام، ومن يعبد الأحجار، ومن يعبد الخلق، ومن يعبد الجان، فكل منهم يعبد شيئاً، إلا من كان مع موسى فإنهم كانوا يعبدون الله ﷿، فهؤلاء اصطفاهم واختارهم الله على علم منه بما في قلوبهم من توحيده سبحانه.
فليس المعنى: أن بني إسرائيل جميعهم قد فضلوا على الخلق، لا، وإنما الموحدون منهم فضلهم الله ﷿ على كل من كان في زمانهم، ففضلهم الله ﷿ على العالَمين، وجعل فيهم أنبياء، وجعل رسولهم موسى ﵊، وفضّل هذا الرسول بأن كلمه الله ﷾، فهذا اصطفاء من الله ﷿ لمن يشاء من خلقه سبحانه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: اختيروا على أهل زمانهم، ولما جاء زماننا قال الله ﷿ للمؤمنين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: كنتم أخير، وأخير هنا على وزن أفعل تفضيل، بمعنى: أخير الأمم، فإذا كان بنو إسرائيل اختارهم الله ﷿ على من كان في زمانهم، فقد انتهى هذا الأمر بمجيء النبي ﷺ وإيمان المؤمنين به، فأنزل الله ﷿ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، ولم يقل: أنتم خير أمة، ولكن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكأن: (كان) تفيد الماضي، أي: جعلكم الله أنتم الخيار منذ الأزل، وإن جاء زمان بني إسرائيل فاختارهم ولكن كنتم أنتم الأخير، فكنتم خير أمة عند الله ﷾ من قبل أن تخلقوا، ومن قبل أن تأتوا، كنتم أنتم الأخير من الجميع.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]؛ لكونكم ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٠]، ولو آمن آهل الكتاب كما آمنتم أنتم وكما تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر لكان خيراً لهم.