تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً)
ثم قال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] جعل: لها معاني كثيرة في اللغة: منهم من ذكر عشرة معاني.
ومنهم من جعلها ثمانية عشر معنى.
فمن تلك المعاني: خلق، وصير، وحول، وسمى ووصف، وهذا معناها في هذه الآية.
فيكون معنى: (وجعلوا له) سموا لله تعالى من عباده جزءاً، فقالوا: الملائكة بنات الله.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف:١٥] ويعنون بـ (جزءاً) أن الإنسان حين يملك الولد أو البنت يقول: هذا جزئي، هذا بعضي؛ لأنه من مني الرجل ومن بويضة المرأة.
فالابن جزء من أبيه وأمه وكسب لهما كذلك.
ولكي يبقى جنس الإنسان في هذه الدنيا جعل الله ﷿ له التناسل؛ لأن الإنسان ضعيف، ويأتي عليه الموت.
لكن الله القوي العظيم العزيز الدائم الحي القيوم سبحانه لا يحتاج إلى ذلك.
فإذا بالمشركين يدعون أن لله جزءاً أي: ولداً فيفترون عليه الكذب.
ومع ذلك ينسبون إليه ما تأنف مثله أنفسهم، وهن البنات.
فقال ﷾ يكذبهم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:١٩] لما قالوا: الملائكة بنات الله، كيف عرفوا ذلك؟ ولماذا اختاروا لهم صفة الأنوثة دون صفة الذكورة؟! ولماذا زعموا أن البنات لله ﷿ واختاروا لأنفسهم البنين؟! قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف:١٥] أي: عظيم الكفر والجحود، وكأن ذلك طبع جنس الإنسان إلا من رحم الله، ففي طبيعة كل إنسان شيء من الكفر، والكفر قد يكون كفر النعمة بأن ينسى المنعم العظيم ﷾، وينسب الفضل إلى غير الله.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥].
وقال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] فكل إنسان فيه شيء من كفر النعمة وجحودها، فإذا زاد وصل إلى الكفر بالله ﷿.