Skip to content

تفسير أحمد حطيبة ذكر ما جاء من بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٤٤٠/ ٧

ذكر ما جاء من بدء نزول الوحي على النبي ﷺ

ولما نزل عليه الوحي نزلت سورة مفزعة، إذ نزل جبريل وأفزعه، ليثبته بعد ذلك، ويطمئنه صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك، فاسمع إلى هذا الخبر عن عائشة ﵂، تقول: حتى فجأه الحق وهو في غار حراء في مكة، فجاءه الملك صلوات الله وسلامه عليه فقال: اقرأ، فقال النبي ﷺ: (ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني)، تخيل وهو ﷺ، وهو في غار حراء يتعبد الليالي، وداخل الغار وفجأة يظهر له الملك ويأتيه من عند ربه ﷾، ويقول له: اقرأ، وكان قد جاءه قبل ذلك صلوات الله وسلامه عليه، إذ تمثل له الملك في السماء ثم غاب عنه، ومرة أخرى، وكأن الله ﷾ يعلمه شيئاً فشيئاً ويدخل الشجاعة على قلبه شيئاً فشيئاً، فمرة رآه في السماء، ثم ظهر له مرة أخرى في السماء، ثم بعد ذلك جاءه وهو في الغار ﵊، ليأمره ويقول له: اقرأ، قال: (قلت: ما أنا بقارئ) فالنبي ﷺ أمي لا يجيد قراءة ولا كتابة، أي: ما الذي أقرؤه؟ أنا لست قارئاً، لا أقرأ، والمكان مكان موحش، والأمر أمر صعب وشديد أن يأتيه ملك في هذه الحالة، فلذلك كان من حقه ﷺ أن يرجع إلى بيته فزعاً، ويقول: غطوني غطوني، فقد خاف من الذي حدث، يا ترى ماذا سيحدث؟! هذا النبي ﷺ يقول له جبريل: اقرأ، ويأخذه ويحتضنه بشدة، قال: (فغطني ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني الثالثة فغطني وقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]).

فأنت لست قارئاً، أنت لا تعلم، وجدك ربك ضالاً فهداك ﷾، وعلمك ما لم تكن تعلم، فمن عليه، قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] صلوات الله وسلامه عليه.

ورجع النبي ﷺ إلى السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها ترجف بوادره، وهذا أول ما نزل عليه من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فنبئ باقرأ وأرسل بالمدثر.

وعلم أنه رسول لما قال له ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]، فالأولى: (اقْرَأْ) والثانية: قم للناس، (قُمْ فَأَنذِرْ) ولما جاءه الوحي وأنزل عليه (اقرأ) رجع إلى خديجة ﵂، فقال: (زملوني زملوني)، رجع يرتعد من شدة الخوف ﷺ، وقال: (زملوني)، أي: غطوني، وقال للسيدة خديجة ﵂: (يا خديجة! ما لي؟) ما الذي حصل لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: (قد خشيت على نفسي) خشيت أن يكون ما حصل لي تهيؤات بسبب أن الشياطين تمتثل لي، خشي على نفسه ﷺ.

هذا المنظر الذي رآه ﷺ لم يكن يخطر على باله، وكان هناك أناس في مكة متوقعين ذلك، وينتظرون أن يكون فلان رسولاً، أما هو ﷺ فلم يكن على باله هذا الأمر، كان يعبد الله ﷾، ويرجو بذلك ربه ﷾، ترك الأصنام لأنه يبغضها ويكرهها ﷺ، ويعبد الله ويتحنث في الغار الليالي، من الذي حفظه من عبادة الأصنام؟ ومن الوقوع في المنكرات والحرام؟ إنه الله ﷾، حفظ نبيه ﷺ، ومن عليه بذلك.