تفسير أحمد حطيبة
فضل الصدقة
الصدقة عظيمة جداً، وقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث في فضل الصدقة التي تخرجها لله سبحانه، والأجر الذي يكون عند الله، منها ما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب)، أي: من تصدق بنحو تمرة أو ما يشابهها، كأن أعطيت فقيراً ثمرة أو ثمن ثمرة، فإن النبي ﵌ قال: (بعدل تمرة)، أي: بأقل ما وجد، فالله ﷿ يعلم أن هذه إمكانياتك التي تقدر عليها، فيقبل منك بكرمه وفضله وجوده ذلك.
قال رسول الله: (فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل)، الفلو: المهر الصغير، فهو يشبه نماء الصدقة بالحصان الصغير الذي تعلفه وتطعمه وتسقيه إلى أن يصير كبيراً، فكذلك الصدقة التي تصدقت بها فإنها كانت تمرة بسيطة فإذا بالله ينميها لك سبحانه، فيعطيك عشر أمثالها، أو سبعمائة ضعف فيها، أو ما شاء الله ﷿ من أجر عليها، وعندها تصير التمرة جبلاً عظيماً من الحسنات بفضل الله وكرمه.
وقد قال النبي ﷺ: (سبق درهم مائة ألف درهم)، فالدرهم كان لإنسان فقير، كل ثروته درهمان فتصدق بدرهم، فهو أنفق نصف ثروته، والآخر له مال عظيم كثير فتصدق من عرض ماله بمائة ألف، فله أجر عظيم عند الله على المائة ألف، ولكن من نظرة أخرى فإن الأول تصدق بنصف ثروته، والثاني تصدق بشيء من ماله، أو بعشر ثروته، أو غير ذلك، فكأن الدرهم سبق المائة الألف، ولكل أجر وخير عند الله ﷾.
ويقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: (ما نقص مال من صدقة)، وهذا وعد من النبي ﷺ، وهو يعدنا لأن الله أوحى إليه بذلك، وقد ذكر في حديث آخر أنه قال: (ثلاث أقسم عليهن وذكر منها: وما نقص مال من صدقة).
فثق في وعد الله ﷿ على لسان النبي ﷺ أنك إذا أنفقت مالك فإنه لا ينقص بسبب الصدقة، وإنما ينميه الله ويبارك فيه ﷾.
قال رسول الله ﷺ: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً).
والنظرة في هذه الأحاديث كلها نظرة دنيوية ونظرة أخروية، فنظرة الدنيا هي أنك إذا أنفقت من مال الله أتاك الناس ونصحوك بإبقاء مالك فلعلك تحتاجه، فتوقن بأن مالك لن ينقص، بل سيزيد كما قال النبي ﷺ: (ما نقص مال من صدقة).
والنظرة الدنيوية الأخرى هي العفو، وذلك حين يعفو الإنسان عمن ظلمه، فنظرة الناس والأهل والأصدقاء أن هذا العفو ضعف من الإنسان.
أما نظرة الآخرة فهي أنك قد تعززت بذلك، فيزيدك الله ﷿ بهذا العفو عزاً عنده ﷾ وعند الخلق، فتصير عزيزاً حتى وإن تكلم عليك الناس، ولكن الله ﷿ يجعل لك عزة على الناس بسبب ذلك، قال النبي ﷺ: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً).