تفسير أحمد حطيبة
من صفات المؤمنين الشورى فيما بينهم
ومن صفاتهم: أن أمرهم شورى بينهم، هذه من أخص صفات المجتمع المسلم الذي يحبه الله ﷾، فليس في المجتمع المؤمن من ينفرد برأيه ويلزم الجميع بما يقول، فالله ﷿ مدح هنا المؤمنين ومدحهم في سورة آل عمران، وقال للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلولا أن عندهم رأياً لما أمر النبي ﷺ أن يشاورهم، فمدح الله ﷿ المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وأن النبي ﷺ يشاورهم في الأمر، ومعلوم أنه لن يشاورهم في الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ليست محل جدل ومناقشة ومحل شورى بين المؤمنين، إنما يشاورهم في أحكامهم الدنيوية، فإذا خرج للجهاد في سبيل الله ﷿ استشار المؤمنين في الطريق: أي طريق يسلكها؟ واستشار المؤمنين كيف يبدأ بأعدائه، وكيف يفعل بهم صلوات الله وسلامه عليه، ويستشيرهم في أمور من أمور الدنيا، أما أمر الدين فهذا وحي السماء ينزل بالأحكام لا مشاورة فيها لا للنبي ﷺ، ولا لأصحابه، فهو مأمور من ربه سبحانه بأن يفعل فيفعل، والمؤمنون مأمورون بأن يفعلوا فيفعلوا وينتهوا فينتهوا، فالشورى هنا في أمر دنياهم، يشاورهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان كثير الاستشارة لأصحابه، وهذا من تواضعه ﵊، فهو الذي مدحه ربه بأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يتكلم بهواه، وإنما يتكلم بوحي من الله ﷾، فلو أنه مدح المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، ولم يكن النبي ﷺ يشاورهم لجاء من بعده فقال: النبي ﷺ لم يكن يستشير أحداً، فينفرد برأيه، ولكن بدأ بنفسه ﷺ، وهو رسول الله الذي عصمه الله، والذي أيده ربه بالوحي من السماء، فإذا أخطأ في شيء ينزل القرآن ليصوب له: افعل كذا لا تفعل كذا ﵊.
إذاً: فربنا يأمر المؤمنين بهذه الشورى بأمرين: الأول: القرآن، يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فإذا كان النبي المعصوم ﵊ يشاور في الأمر فغيره من باب أولى.
والأمر الثاني: مدح المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وينفذ ذلك النبي ﷺ بسنته ﵊، فيتعلم من بعده منه.
ذكر الإمام البخاري في صحيحه باباً عن الشورى فقال: باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] و ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وأن المشاورة قبل العزم والتبين؛ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وهذا من جميل ترتيب الإمام البخاري لتراجم أبوابه رضي الله ﵎ عنه، فيذكر أن الله سبحانه قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وأن المشاورة قبل العزم، والمعنى: أني أشاور في أن أعزم على أمر، وقد علمنا النبي ﷺ شيئاً آخر مع هذه الشورى العظيمة، وهي أن تستخير الخالق ﷾، إذاً: هناك استخارة واستشارة، فتطلب الخيرة من الله سبحانه، تطلب منه أن يختار لك وأن يلهمك الصواب، وأن يوفقك لتسير على ما يحبه ﷾، وقد جاء في حديث النبي ﷺ: (إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم أني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويذكر الأمر الذي يستخير فيه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به).
إذاً: تستخير الخالق ﷾ وتستشير المخلوق؛ لأن هذا أمر الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فإذا ظهر لك الأمر بناءً على الاستخارة، وبناءً على الاستشارة فاعزم عليه وتوكل على الله سبحانه، ولذلك الترتيب الجميل للإمام البخاري، يقول لك: وأن المشاورة قبل العزم والتبين: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
إذاً: هنا ربنا يأمر النبي ﷺ بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، أي: إذا أخذت أمراً وقطعته بشيء فامش في هذا الأمر وتوكل على الله سبحانه.
يقول البخاري ﵀: فإذا عزم الرسول ﷺ لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله، قال: وشاور النبي ﷺ أصحابه يوم أحد.
المقصود من كلام البخاري: أنه إذا استشار النبي ﷺ فاتفقوا على أمر: نفعل كذا، ثم بدأ ينفذ النبي ﷺ نتيجة هذه الشورى فليس لهم أن يرجعوا في كلامهم بعد ذلك، فلا بد أن يفعلوا ما استشارهم فيه ﷺ وما وصلوا إليه من أمر.