Skip to content

تفسير أحمد حطيبة ذكر ما جاء من مشاورة النبي ﷺ أصحابه يوم بدر

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٤٣٤/ ٣

ذكر ما جاء من مشاورة النبي ﷺ أصحابه يوم بدر

أيضاً: مما جاء أنه في يوم بدر شاور النبي ﷺ أصحابه، هذا قبل الخروج لعير أبي سفيان، فقال: (من كان سلاحه حاضراً فليخرج معنا)، فخرج مع النبي ﷺ ثلاثمائة وبضعة عشر، ولكن أبا سفيان أفلت إلى مكان آخر، وأرسل إلى الكفار يستغيث بهم، فجاء الكفار لقتال النبي ﷺ، فإذا بالنبي ﷺ ومن معه يجدون أن الأمر ليست عيراً يأخذونها، بل هو جيش آت، وهم ليسوا مستعدين لهذا الجيش، فإذا بالنبي ﷺ يستشير أصحابه.

روى الإمام مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان.

يقصد أنه في البداية شاور، وبعد ذلك شاور ﷺ حين استغاث أبو سفيان بالكفار، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ﷺ، فتكلم عمر فأعرض ﷺ، فقام سعد بن عبادة ﵁ فقال: إيانا تريد يا رسول الله! وهذا وإن كان في صحيح مسلم إلا أن الظاهر أنه ليس سعد بن عبادة؛ لأن سعداً لم يكن معهم، وإن كان قد أعطاه النبي ﷺ شيئاً، لكنه لم يكن معهم إنما كان معهم سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، وكان فيها المقداد بن الأسود، واشتهر المقداد بمقولة قالها ﵁، لكن هذه رواية الإمام مسلم.

والحديث في مسند الإمام أحمد وفيه: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما على الأرض من شيء، قال: أتى النبي ﷺ وكان رجلاً فارساً، وهو الفارس الوحيد الذي كان موجوداً في يوم بدر، فقال للنبي ﷺ: أبشر يا نبي الله! لما استشاره النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال قائل الأنصار: تستشيرنا يا رسول الله؟ فقال المقداد ﵁: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﷺ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك، وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك حتى يفتح الله عليك.

وفي رواية أخرى لهذا الحديث ذكرها ابن أبي شيبة فقال سعد بن معاذ -وهذا هو الراجح أن القائل كان سعد بن معاذ سيد الأوس، والآخر سعد بن عبادة سيد الخزرج، لكن القائل كان سعد بن معاذ، ولعل الآخر قالها قبل خروج النبي ﷺ إليه- قال سعد بن معاذ: لئن سرت حتى تأتي برد الغماد من ذي اليمن لنسيرن معك، يعني: سر أينما تريد فنحن معك، حتى وإن سرت إلى اليمن فسنكون معك، وقال للنبي ﷺ كلاماً جميلاً وفيه: ولن نكون كالذين قالوا لموسى وذكر ما قال المقداد ﵁، قال: ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، رضي الله ﵎ عنه.

هذا سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن حين مات شهيداً رضي الله ﵎ عنه وحملته الملائكة، وحمله المسلمون، وكان ضخماً عظيم البدن رضي الله ﵎ عنه، ولما حمله المسلمون ما شعروا بذلك، فقد كان خفيفاً وهم يحملونه، فأخبر النبي ﷺ أنه حملته الملائكة، وهو صاحب هذه المقولة العظيمة الذي عاش مجاهداً في سبيل الله، والذي دعا ربه حين أصيب في أكحله في عرق في يده رضي الله ﵎ عنه في يوم الأحزاب فقال: اللهم إن كنت أبقيت للمشركين قتالاً فأبقني لهم، فإن لم تبق لهم قتالاً فخذني إليك، فأخذه الله ﷾ واستجاب له دعوته.

وكان يهود بني قريظة حلفاء للأوس من الأنصار في الجاهلية، ولذلك لما حاصر النبي ﷺ بني قريظة تحصن بنو قريظة في الحصون، وأبوا أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقد كان حليفهم في الجاهلية وأرسلوا إليه، وكانوا قبل ذلك أرسلوا لـ عبد الله بن أبي بن سلول ومن قبلهم بنو النضير أرسلوا إليه، وبنو قينقاع كذلك أرسلوا إليهم، فقد كانوا حلفاء للخزرج، فذهب إلى النبي ﷺ هذا المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، وقال أتقتل هؤلاء كذا دارع وكذا رجل معه سيف وكذا، والله لا تقتلهم! وضل يشفع لليهود حتى أجلاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه أخذاً بكلام هذا الرجل، وكذلك أرسلت بنو قريظة إليه وقالوا له: لقد كنت حليفنا في الجاهلية، وأخذوا يتوددون إليه فقال: سأحكم، وسكت ولم يقل: سأحكم بكذا، حتى خرج، فقالوا: لا نريد إلا حكم سعد بن معاذ ﵁ قال: فحكمي فيكم أن تقتل مقاتلتكم، وأن تسبى ذراريكم ونساؤكم، وأن تؤخذ أموالكم، فقال النبي ﷺ: (لقد حكمت بحكم الملك)، هذا حكم الله ﷾ نطق به سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري ﵁ سيد الأوس، فكان رجلاً موفقاً في حياته حتى توفاه الله سبحانه، فقال النبي ﷺ: (لمناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها) هذا منديله، فكيف بما أعد الله عز جل لـ سعد وغيره في الجنة؟ نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يقينا عذابه وناره.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.