Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٤٣٠/ ٢

تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

قال الله ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى:٣٢ - ٣٥].

يخبر الله ﷿ عن آياته العظيمة في هذا الكون التي يجب على كل إنسان أن يتأمل فيها وأن يتدبرها وأن يتفكر فيما خلقه الله ﷿ له، وقدرة الله العظيمة على الخلق أن دله وأن خلق له وبين له، فهذه آية من آيات الله ﷿ لا تقدر أنت عليها إلا أن يعينك الله ﷾، فمن آياته هذه السفن الجارية العظيمة الجواري في البحر كالأعلام، وكالجبال وكالقصور العظيمة.

قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى:٣٣] إذا شاء ربنا ﷾ أسكن الريح، فوقفت هذه البواخر وهذه السفن العظيمة تنتظر رحمة الله ﷾، فتركد على ظهره، فإن يشأ الله ﷾ يوقفها، ونفهم منه أنها تجري من أول الآية، إذاً: بمشيئة الله هي جارية فإذا شاء أوقفها، أو إن شاء أغرقها وأوبقها وأهلكها وأهلك من فيها.

قال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٤] فإن يشأ يسكن الريح، وإن يشأ يوبق السفينة ويعف عن كثير ﷾، فالله العظيم ﷾ يعفو ويتجاوز عن ذنوب العباد، ويتجاوز عن ذنوب كثيرة لعباده، فهو ﷾ يفعل ذلك، فإذا شاء عفا وإذا شاء لم يعف ﷾، وإذا شاء عفا عن كثير من ذنوب العباد وإذا شاء عفا عن الذنوب جميعها، فالله على كل شيء قدير، وإذا شاء ﷾ جعل الإنسان مؤمناً فهو داخل تحت عفو الله سبحانه، وإذا شاء الله ﷿ كان العبد كافراً فلم يعف عن شيء ﷾.

فالعفو للمؤمن الذي عرف التوحيد، وأناب إلى ربه وتاب وعرف ربه سبحانه، ولم يشرك به، فهذا تحت مشيئة الله ﷿، إذا شاء الله ﷿ عفا عنه، وهو يعفو عن كثير من الذنوب بهذا العفو لعله ينجيه يوم القيامة، وإن يشأ يوبقه ﷾، أما إذا كان كافراً فلا عفو، والكافر يحاسب يوم القيامة على كل شيء، فليس بعد الكفر ذنب، وإذا لقي ربه كافراً فالله يسأله عن كل شيء ﷾.

فيقول هؤلاء: لم نكن نصلي؛ لأنهم سئلوا عن ذلك: هل صليتم؟ قالوا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٦] كانوا كفاراً يكذبون بيوم الدين، ومع ذلك حاسبهم على صلاتهم وحاسبهم على كل ما صنعوا في هذه الدنيا.

وجاء عن النبي ﷺ أن الكتابي اليهودي أو النصراني لو أسلم فله أجره مرتين، والله ﷿ يعفو عما سبق منه، هذا إذا أسلم وأحسن إسلامه، أو أصلح، أما إذا أسلم ولم يصلح ولم يعمل صالحاً فالله يحاسبه على ذنوبه جميعها، ما فعلها في كفره وما فعلها في إسلامه؛ لأنه لم يصلح، وتنفعه كلمة لا إله إلا الله، ولكن المعاصي يحاسب على الجميع، فشرط على هذا الكافر أنه إذا أسلم أصلح، فإذا أصلح فالله ﷿ يعفو عن الذنوب التي كانت مع الكفر، فإذا لم يصلح عفا عما كان من ردته وكفره، ولكن يؤاخذ بذنوبه من كبائر وغيرها.