Skip to content

تفسير أحمد حطيبة وجوب الثقة بالله ﷿ ولطفه

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٤٢١/ ٤

وجوب الثقة بالله ﷿ ولطفه

فعلى العبد أن يثق في لطف الله ﷾، فإذا عجل لك شيئاً فقد ادخر لك أشياء، فتحمد ربك أنه لم يعطلك الدنيا كلها، فقد كان أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه يقولون: نخشى أن تكون عجلت لنا طيباتنا؛ لأن الكفار عجلت لهم طيباتهم، كما قال النبي ﷺ، فقد رآه عمر بن الخطاب في مشربة له -في غرفة مرتفعة- وكان قد خاصم صلوات الله وسلامه عليه نساءه، فأراد الناس أن يستأذنوا عليه، فلم يدخل عليه أحد، فجاء عمر يستأذن ليدخل على النبي ﷺ، وهو أبو زوجة النبي ﷺ، وهو وزير النبي صلوات الله وسلامه عليه في أمره وفي دعوته ﵊، فاستأذن فلم يأذن له، فاستأذن ثانية فلم يأذن، فاستأذن ثالثة فأذن له النبي ﷺ، ودخل عمر ﵁، قال: فما وجدت شيئاً يرد البصر، الحجرة التي فيها النبي ﷺ لا تحوي شيئاً يرد البصر؛ لأن الإنسان الذي يدخل ويريد أن ينظر في هذه الغرفة لا يجد شيئاً يرد بصره؛ لأن الغرفة خالية لا تحوي شيئاً إلا سريراً ينام عليه النبي ﷺ، وهذا السرير مفروش بحصير، والحصير قد أثرت في جنب النبي ﷺ، فجلس ونظر عمر فلم يجد إلا إهاباً معلقاً، جلد خروف قبل أن يدبغ، وكأنه جاهز ليدبغ.

فقال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ: أنت! وأنت رسول الله هكذا، وقيصر وكسرى على الحرير وعلى الذهب؟ فقال النبي ﷺ: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! قال: لا.

قال النبي ﷺ: أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم) كأن الله سبحانه أعطاهم الدنيا حتى يحرموا من الآخرة، فلا يكون لهم عند الله ﷿ يوم القيامة شيء، فإذا صنعوا معروفاً في الدنيا جوزوا عليه في الدنيا، أما الإنسان المؤمن فيدخر له إلى يوم القيامة.

((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) يلطف بك بعلمه الخفي، وبره الحفي، فيعطيك شيئاً، ويدخر لك الكثير عنده ﷾، وهذا الذي يصنعه الإنسان الذي يخاف على نفسه من الدنيا، ويخاف على نفسه من النار يوم القيامة، ينفق في الدنيا شيئاً، ويدخر عند الله ﷿ الأشياء الكثيرة التي تنفعه، فقد ورد أنهم ذبحوا للنبي ﷺ شاة وفرقوا منها، فلما جاء صلوات الله وسلامه عليه سأل فقال: (ما بقي منها؟ قالت له عائشة: لم يبق منها إلا الكتف، فقال: بل بقي جميعها إلا الكتف)، أي: الذي وزعتموه على الفقراء والمساكين هو الذي بقي ليوم القيامة، وهو الذي نؤجر عليه، والذي أكلناه في الدنيا فقد أكلناه ونفد، قال ﷿: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] فالشيء الذي معك في الدنيا هو القابل للنفاد، وأما الذي ادخرته عند الله فهو باقٍ لا يضيع أبداً.