Skip to content

تفسير أحمد حطيبة معنى قوله تعالى (ولا تتبع أهواءهم)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٤١٧/ ٩

معنى قوله تعالى (ولا تتبع أهواءهم)

ثم نهاه عن اتباع الهوى فقال تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، فإن هؤلاء الكفار سيدعونك إلى البعد عن دين الله سبحانه، فاحذر أهواء هؤلاء الكفار، ومن ذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ: إذا أردت أن نتبعك فلا يليق بنا أن نجلس مع هؤلاء الفقراء، فاجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، ولا يتحدث العرب أننا جلسنا مع هؤلاء الفقراء والصعاليك، فكاد ﷺ يميل لذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، فالله ﷿ يحذر نبيه صلوات الله وسلامه عليه: إذا طردت هؤلاء فستكون من الظالمين، وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه أن يطردهم ظلماً وعدواناً واستكباراً، فهذا مستحيل، ولكن كونه يطردهم، أو يمنعهم، أو لا يقعد مع هؤلاء الذين يذكرون الله ﷿، فإنه يعتبر في حق النبي ﷺ ظلماً.

وكذلك قالوا للنبي ﷺ: أتريد منا التوحيد؟ اعبد آلهتنا وادع إليها، ونحن نستجيب لك وندخل معك في هذا الدين، فيقول الله ﷿ له: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فلا يوجد في الدين قاعدة اسمها (الغاية تبرر الوسيلة)، أي: لكي يدخل هؤلاء في الدين فلا مانع أن نشرك معهم اليوم لكي يسلموا معنا غداً، فالدين دين خالص لله ﷾، فإن قبلوا فالحمد لله، وإن أعرضوا فعليهم الجزاء من الله ﷿، والدين دين قيم، ودين قوي، ودين لا يحتاج إليكم، بل أنتم الذين تحتاجون إلى الله الغني الحميد، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، ﷾، فهو مستغن عن العباد وعن عبادتهم، وأنزل الدين لتنتفعوا أنتم، لا لينتفع هو ﷾، فلذلك يقول لنبيه ﷺ: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ).

وأبو سفيان حين جاء إلى النبي ﷺ قبيل فتح مكة، مر مع أبي بكر ﵁ على مجموعة من المسلمين الذين كانوا مستضعفين قبل ذلك رضوان الله ﵎ عليهم، وإذا به ينظر إليهم وقد صاروا بعز في هذا الإسلام، فينظرون إليه ويقول أحدهم وهو بلال أو غيره ﵃: أما أخذت سيوف الله من رقاب أعداء الله؟ أي: أنه بقي من رقاب أعداء الله أمثال أبي سفيان، وكان شيخ الكفار في كفره، ثم أسلم وحسن إسلامه رضي الله تبارك تعالى عنه.

فلما قالوا ذلك غضب أبو بكر ﵁، وقال: أتقولون هذا لشيخ قريش؟! فـ أبو بكر، يريد أن يتألفه ليسلم ويدخل في دين الله ﷿، فبلغ الأمر إلى النبي ﷺ فقال لـ أبي بكر: (ارجع إليهم فصالحهم، لعلك تكون أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك) أي: إن كنت أغضبت هؤلاء الفقراء من المسلمين الذين كانوا يؤذون في مكة وكان يؤذيهم أبو سفيان ومن معه فقد أغضبت ربك، فرجع أبو بكر ﵁ وهو ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، ورفيق النبي ﷺ في الجنة، فقال لـ بلال ومن معه: لعلي أغضبتكم يا إخواني، فقالوا: لا، غفر الله لك.

فالله ﷿ أمر النبي ﷺ أن يجلس مع هؤلاء الفقراء، وألا يتركهم ليذهب إلى هؤلاء الكفار حتى لو كان الثمن دخولهم في الدين، فأمره الله ألا يجعل لهؤلاء مجلساً ولهؤلاء مجلساً، وإذا أرادوا فليجلسوا مع هؤلاء الفقراء، وإذا لم يريدوا فلا يجلسوا فهم الذين يخسرون وليس المؤمنين.