تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً)
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].
قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً) أي: هذا القرآن العظيم الذي نزل بلسان عربي مبين من عند رب العالمين.
والوحي من الله ﷾ بأن أنزل على النبي ﷺ جبريل سفيراً بين السماء والأرض ينقل إلى النبي ﷺ من أمر الله ما يشاء سبحانه من قرآن ومن سنة.
وقد نزل بهذه اللغة التي هي أشرف اللغات، فهذا القرآن أعظم الرسالات، نزل بسفارة أشرف ملائكة الله ﷿ وهو جبريل، ونزل في أشرف وأفضل شهر وموسم في رمضان في ليلة القدر من عند ربنا سبحانه إلى بيت العزة في السماء، ونزل على النبي ﷺ في أشرف بقعة في الأرض وهي مكة المكرمة.
فكان القرآن أعظم كتاب نزل من السماء بأفضل لغة وهي اللغة العربية، على أشرف وأفضل الخلق النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا القرآن ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، أي: مبين مفصح معبر، فهو بين واضح فصيح بليغ، وهنا يذكر الله ﷾ أنه نزل من السماء إلى النبي ﷺ قرآناً، والقرآن بمعنى: الكلام المجموع المقروء الذي يقرأ ويتلى.
فهذا القرآن كتاب واحد نزل من السماء إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل منجماً على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، وحياً من الله مع جبريل الملك ﵇.
وفي أول السورة قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى:٣] أي: بمثل هذا الوحي ينزل جبريل ﵇ من السماء على النبي ﷺ وعلى الذين من قبله.
لما أراد اليهود أن يختبروا النبي ﷺ ليعلموا أنه على حق أم لا سألوه أسئلة فأجابها، فلما أجابها قالوا: إنك نبي والآن نتابعك أو نفارقك، من وليك من الملائكة؟ قال: جبريل وليي وولي من قبلي، وهو الذي نزل علي، ونزل على كل من كانوا قبلي.
قالوا: لا نتبعك، ولو كان وليك من الملائكة ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والذي ينزل بالقطر لاتبعناك، ولكن جبريل ينزل بالعذاب.
فهذا كلام اليهود لعنة الله عليهم للنبي ﷺ، وهم يعرفون النبي ﷺ بصفاته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، فلم يغب عنهم أنه حق صلوات الله وسلامه عليه، ولكنهم أرادوا المفارقة، وأرادوا عدم الاتباع، وغيرهم قالوا للنبي ﷺ: نخاف أن نتبعك فتقتلنا يهود.
فالعلة الصحيحة أنهم هم خائفون أن يقتلهم اليهود لو اتبعوا النبي ﷺ.
وغيرهم يخافون على ما عندهم من كراس وأموال، فلا يريدون أن يفقدوها، وظنوا بالآخرة وطمعوا في الدنيا فرفضوا أن يدخلوا دين النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومنهم من يقول: إن داود ﵇ دعا ألا يزال من ذريته نبياً، فنحن ننتظر نبياً من ذرية داود، وقالوا للنبي ﷺ: أنت نبي ولكن نبي إلى الأميين ولست إلينا.
فشهدوا له بالنبوة، وكونهم يشهدون له بالنبوة هذه شهادة له أنه معصوم صلوات الله وسلامه عليه من الكذب، إذ كيف يكون نبياً من عند رب العالمين ثم يكذب ﵊؟ فشهدوا له بالنبوة ثم رجعوا فرفضوا، فهو يقول: أنا رسول للخلق أجمعين، وهم يقولون: أنت نبي إلى العرب فقط.