Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٣٩٤/ ٤

تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)

قال الله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢].

كأن هذا خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل من الرحمن الرحيم، وذكروا غير ذلك.

والتنزيل هو مصدر من نزل تنزيلاً، فنزل القرآن من عند الله ﷿، نزله تنزيلاً عظيماً، فيه عظمة ربنا ﷾ في إنزال هذا القرآن من السماء إلى بيت العزة، ثم مع جبريل على النبي ﷺ ينزل ليلاً وينزل نهاراً، وينزل في مكة وينزل في المدينة، وينزل على النبي ﷺ بحسب ما يحتاج إليه الخلق، وبحسب ما يجد من أحداث.

قوله: (تنزيل) أي: نزل هذا القرآن من عند رب العالمين الذي في السماء ﷾، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧] فنزل هذا القرآن من السماء من عند رب العالمين سبحانه الذي هو الرحمن الرحيم.

والرحمن الرحيم اسمان لله ﷿ فيهما وصف الرحمة له ﷾، وكلاهما على صيغة مبالغة.

(الرحمن) على وزن فعلان، و (الرحيم) على وزن فعيل، فالله ﷿ الرحمن العظيم الرحمة، وكذلك الرحيم العظيم الرحمة، والرحمن ذو الرحمة العامة بخلق الله ﷾، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، والرحمن لا يوصف به غير الله سبحانه، فهو عام في الإطلاق خاص في المسمى، فالله ﷿ وحده سبحانه الذي له هذا الاسم، والرحيم صفة لله ﷿ وقد يوصف بها خلقه، فيقال: فلان رحيم، والنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، أما الرحمن فيقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] يعني: لا يوجد أحد اسمه الرحمن غير الله ﷿، لا إله إلا هو، فهو الله وهو الرحمن سبحانه لا يتسمى بذلك سواه ﷾.

ولذلك المشركون قالوا مغالطين للنبي ﷺ: (أنت تزعم أنك تدعونا إلى التوحيد وأنت تشرك فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم فتذكر الله وتذكر الرحمن؛ فقال الله ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠])، وقال النبي ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة) أي: من حفظها وعرف معانيها واستعملها فيما ينبغي فهذا يدخل الجنة.

إذاً: الرحمن العظيم الرحمة ﷾ بخلقه جميعهم، والرحيم هو الذي اختصت رحمته بالمؤمنين في الآخرة، والرحمة تكون لمن مات على التوحيد ولمن لم يشرك بالله ﷾، قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].

والقرآن نزل من عند الرحمن سبحانه العظيم الرحمة بجميع خلقه، لذلك أنزل الله ﷿ القرآن هداية لخلقه جميعهم، ولم يجعله مخصوصاً لطائفة دون طائفة، وإنما نزل للعالمين، وأرسل النبي ﷺ للعالمين للناس كافة، وهو الرحيم سبحانه الذي يرحم عباده المؤمنين ويدخلهم جنته ﷾.