تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (حم
.
تنزيل من الرحمن الرحيم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله ﷿ في سورة فصلت: بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:١ - ٥].
بدأنا قبل ذلك في هذه السورة الكريمة سورة فصلت، وذكرنا كيف أن الله ﷿ بدأها مع سبع سور من كتاب الله ﷿ متوالية، من أول سورة غافر وحتى سورة الأحقاف، كلهن يبدؤهن الله ﷿ بحرفي حاء وميم (حم)، وهذه الحروف في هذا القرآن العظيم ذكر العلماء أن لها حكماً، وهذه الحروف سر من أسرار هذا القرآن العظيم، ولكن لا يذكر الله ﷿ في افتتاح السور حروفاً أو حرفاً أو حرفين إلا والغالب بعدها أن يشير إلى هذا القرآن العظيم، كما يقول تعالى هنا: ﴿حم * تَنزِيلٌ﴾ [فصلت:١ - ٢] يعني: هذا القرآن نزله الله ﷿ من عنده.
فقوله تعالى: ((تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) أي: نزل القرآن من السماء.
وكما جاء عن ابن عباس ﵄ بإسناد صحيح: أن القرآن نزل جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ونزل منجماً على النبي ﷺ بواسطة جبريل الأمين، كلما نزل على النبي ﷺ أمر أو نزلت به حادثة أو احتاج إلى حكم من الأحكام نزل القرآن عليه يبين له ويفصل له ما يحتاج إليه؛ ولذلك قال تعالى هنا: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٣]، فقوله تعالى: ((فُصِّلَتْ)) أي نزل على النبي ﷺ منجماً، يعني: مقطعاً، آية آية، سورة سورة، فهي آيات تنزل على النبي ﷺ ثم تنزل آيات غيرها وهكذا، وهذا معنى التنجيم، أي: نزل مقطعاً على حسب ما يحدث للنبي ﷺ من حوادث.
قال الله ﷿: ((تَنزِيلٌ)) لأنه نزل من السماء.
وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] أي: من عند الله سبحانه الرحمن الرحيم، بمعنى: نزلت هذه الآيات من السماء التي تفيد علو الله ﷾، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهو العلي العظيم سبحانه، والكبير المتعال ﷾، وهو الذي استوى على العرش، وهو الذي فوق السموات، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، وهو الذي ترفعون إليه أيديكم في الدعاء، كما ثبت في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه: (كان يدعو فيرفع يديه إلى السماء فيدعو ربه ﷾، فأخبر الله ﷿ أنه نزل الكتاب العظيم من عنده، وذكر صفتين له في اسمين من أسمائه الحسنى: الرحمن الرحيم.