Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (وإذ يتحاجون في النار إن الله قد حكم بين العباد)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٣٧٧/ ٤

تفسير قوله تعالى: (وإذ يتحاجون في النار إن الله قد حكم بين العباد)

ثم يصور الله لنا هذا المشهد العظيم، وما يحدث في النار لهؤلاء المجرمين؛ ليخوف الله المؤمنين وعصاة الموحدين، فيقول سبحانه: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنْ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]، أي: يقول أحدهم للآخر: أنت السبب، أنت الذي فعلت هذا، حتى إن أحدهم ليقول لمن لم يدركه: أنت السبب، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، فيقول الأولون للآخرين: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٣٩]، أي: أننا كنا قبلكم بسنين وأعمار طويلة فماذا صنعنا بكم؟ بل أنتم الذين أجرمتم فذوقوا العذاب، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، فلكل عذاب مضاعف، سواء للأولين أم للآخرين؛ وذلك بسبب عصيانهم ربهم ﷾، لفعلهم السوء وإجرامهم في هذه الدنيا، وبسنهم السنن السيئة.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر:٤٧]، ولم يقل: من آل فرعون، فليس الضعفاء من آل فرعون فقط، بل كل الضعفاء المجرمين، وكل من كان جندياً مأموراً من قائده أو سيده وهو يطيع وينفذ الأمر وإن كان معصية لله ﷾، وقد قال النبي ﷺ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ﷾، فذكر في هذا الحديث أنه لا يحل لأحد أن يعصي الله ﷾ في طاعته لأي مخلوق، فلا يجوز لأحد أن يسمع أو يطيع إلا في طاعة الله ﷾، قال ﷺ: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، فإذا أمركم بطاعة الله فافعلوا، وإن أمركم بمعصية فلا تفعلوا ذلك.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر:٤٧]، للقادة الكبار المستكبرين، ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [غافر:٤٧]، أي: كنتم تأمروننا في الدنيا: هاتوا فلاناً، اقبضوا على فلان، عذبوا فلاناً، فماذا ستصنعون لنا الآن ونحن في النار؟ قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]؟ أي: جزءاً من عذاب النار، وقد كان هؤلاء الكبراء يقولون للمؤمنين في الدنيا كما قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢].

أي: فنحن سنتحمل عنكم هذه الخطايا، فنحن في الدنيا وفي الآخرة معكم، قال الله ﷿ مكذباً لهؤلاء: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣]، إذاً: هذا الذي يقول للثاني: اعمل وعلي، فليس هناك حاجة اسمها عليك، بل كل من الاثنين يحمل ذنبه فوق ظهره، يحملون أوزارهم فوق ظهورهم يوم القيامة جزاءً بما صنعوا، فيقول سبحانه هنا عن هؤلاء: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر:٤٨]، أي: فات الأوان، فقد أصبحنا فيها كلنا، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨]، حكم فعدل ﷾ وهو أحكم الحاكمين، وهذا الذي يطمئن الإنسان المؤمن، فمهما ظلم المؤمن في هذه الدنيا فهو مطمئن بالله ﷾، وأنه راجع إليه، وأن الحكم له وحده ﷾، فهو الذي يحكم بين عباده بالعدل يوم القيامة، فيقتص للمظلوم من ظالمه، ويعذب الظالمين، كما ذكر ﷾ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨]، أي: فصل وقضى بين العباد بعدله ﷾.