Skip to content

تفسير أحمد حطيبة أبو بكر الصديق ومؤمن آل فرعون

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٣٧٣/ ٤

أبو بكر الصديق ومؤمن آل فرعون

هذا الرجل العظيم كان مثله في أمتنا سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، حيث يذكره علي ﵁ ويقول: أبو بكر الصديق خير من مؤمن آل فرعون، مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه وأبو بكر الصديق كان يظهر إيمانه ﵄.

وهناك قصة ذكرها الإمام البخاري مختصرة، وساقها الإمام أحمد مطولة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ حيث سأله عروة بن الزبير فقال له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله ﷺ؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، أي: عند الكعبة في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط! سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم! يذكرون هذا بنوع من التغيظ على النبي ﷺ، وبنوع من إيقاد الشر عليه ﵊، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، أي: أراد أن يطوف بالكعبة ﵊، ثم مر بهم طائفاً وهم عند الحجر فغمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، أي: شتموا النبي ﷺ، فعرف عبد الله بن عمرو بن العاص ذلك في وجهه، أي: رأى وجه النبي ﷺ تغير وغضب ﷺ لما قالوا، ولكن صبر ﷺ ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، قال: فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر بهم الثالثة غمزوه بمثلها، فقال لهم ﷺ: (أتسمعون يا معشر قريش؟! أتسمعون يا معشر قريش؟! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح)، أي: بهذه الشريعة التي فيها استئصال الكفار الذين يظهرون العداوة للنبي ﷺ ولدين الله ﷾.

قال عبد الله بن عمرو: فأخذت القوم كلمته ﵊، فكأنهم فزعوا مما قاله ﷺ، وأسكتهم الله فلم يقدروا على الرد والجواب، قال: حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم على النبي ﷺ قال له: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً، يعني: اتركنا في حالنا، فانصرف النبي صلوات الله وسلامه عليه.

حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، قال عبد الله بن عمرو: وأنا معهم، أي: كان ما زال كافراً، قال: فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منه، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه، أي: بدأ بعضهم يحرض بعضاً على النبي ﷺ، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله ﷺ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يريدون أن يضربوه، ويريدون قتله ﵊.

قال: فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ مما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، يقولون: أنت تشتم آلهتنا، وتشتم ديننا، قال: فيقول رسول الله ﷺ: نعم أنا الذي أقول ذلك، فقد كان شجاعاً صلوات الله وسلامه عليه، فلا يهمه أمرهم، مع أنهم قاموا له قومة رجل واحد، ولا أحد يوجد ليدافع عنه ﷺ إلا حين بلغ ذلك أبا بكر رضي الله تعالى عنه، يقول عبد الله بن عمرو: فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقال: ذروه، أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه.

هذا في رواية الإمام أحمد، وفي رواية الإمام البخاري قال: فجاءوا للنبي ﷺ وهو يصلي، فهجموا عليه وهو يصلي ﷺ فوضع أحدهم رداءه في عنقه، وهو المجرم الملعون عقبة بن أبي معيط لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فوضع رداء النبي ﷺ في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر ﵁ فدفعه عنه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات؟! فهجموا على أبي بكر ﵁، وضربوا أبا بكر ضرباً شديداً، فرجع أبو بكر ﵁، فجعل لا يمس شيئاً من شعره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

أبو بكر الصديق أظهر إيمانه ودافع عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ونصر الله ﷿ به هذه الأمة في حرب الردة لما توفي النبي ﷺ وارتد من ارتد عن دين الله ﷿، فقام أبو بكر وحده وثبطه كثيرون، فأبى إلا أن يقوم لينصر دين الله ﷾، وقال: لأقاتلن حتى تنفرد سالفتي، أي: أقاتل هؤلاء المرتدين حتى أكون وحدي لا أحد معي، أقاتل حتى تنفرد سالفتي، يعني: حتى أقتل، فيكون معه عذر عند الله، فأيد الله ﷿ به هذا الدين، وقام الناس معه، ورجع دين الله إلى ما كان، ونشر الله هذا الدين بفضله ﷾ ثم بما صنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فهذه مقولته وهذه مقولة مؤمن آل فرعون قبله: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ هذا دافع عن موسى وذاك دافع عن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.

نسأل الله ﷿ أن ينصر دينه، وأن يثبت المؤمنين في كل زمان ومكان.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.