تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)
قال الله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، أرسله الله ﷿ إلى قومه أو إلى غيرهم، رجع إلى قومه يدعوهم وكانوا مائة ألف، أو أرسله إلى غيرهم ﷾.
وقال سبحانه: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ [الصافات:١٤٨] يعني: في هذه الدنيا، متعناهم بإيمانهم فيها إلى حين، فقد استجابوا لدعوته، والله ﷾ لم يحرمه من خير، وهذا فضل الله ﷿، ولو شاء لقبضه على ذلك فكان مليماً وآتياً بما يلام عليه عند الله، ولكن الله تكرم عليه سبحانه وأرسله مرة أخرى؛ ليدعو إلى الله ﷾.
وذكر الله ﷿ ذلك في سورة الأنبياء، إذ ذكر أنه ينجي المؤمنين، فالإنسان المؤمن يتعلم من هذه القصة أنه لا يترك أمر الله ﷾؛ لأنه لا يدري ما يكون وراء ذلك، ولا يترك دين الله ﷾ والدعوة إليه سبحانه، بل يقتدي بأنبياء الله الذين دعوا وصبروا في دعوتهم إلى الله سبحانه، والله قادر على التغيير، والإنسان الذي تراه يستحق العذاب قد يرى الله ﷿ أنه لا يستحق ذلك، فيرفع عنه العذاب الذي تتوهم أنه من أهله، ويقول النبي ﷺ: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، فلعل هذا الإنسان الذي أدعوه خير مني، ولعلي أراه الآن عاصياً ويكون مؤمناً تقياً بعد ذلك، ولعل الإنسان ينظر إليه أنه يستحق النار، وهو عند الله ﷿ يستحق أن يكون من أهل الجنة بما قدر الله ﷿ أن يفعله بعد ذلك.
وفي سورة القلم يقول الله للنبي ﷺ: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨] بمعنى: كظم الغيظ، وكظم الغضب ونادى ربه سبحانه: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٩]، ولكن الله لم يذمه ﷾، إذ قال: ﴿فَاجْتَبَاهُ﴾ [القلم:٥٠]، أي: اصطفاه الله ﷿، فجعله من الصالحين.
فقال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، تحذيراً للنبي ﷺ، ويقول في سورة الحاقة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]، هذا عن النبي ﷺ، فلو أنه افترى علينا وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٥ - ٤٦]، فالله سبحانه يقول هذا على نبيه وحبيبه وخليله صلوات الله وسلامه عليه فكيف بغيره؟! لذلك لا يجوز لأحد أن يأمن عذاب الله سبحانه، أو يأمن عقوبة الله سبحانه، أو يحسن الظن بنفسه، أو يسيء الظن بغيره، بل يجب على الإنسان أن يحسن الظن في الله ﷾.
وفي قصة يونس يقول النبي ﷺ محذراً: (لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى)، لا يقولن أحدكم ذلك، لعل إنساناً يسمع هذه القصة فيقول: سيدنا يونس هرب، والنبي ﷺ صبر، إذاً: النبي ﷺ أحسن، فإن هذه المقارنة تكون على وجه النقيصة للنبي يونس ﵊، فيحذرنا النبي ﷺ من ذلك، ونحن نعلم ونستيقن أن النبي ﷺ سيد ولد آدم، قال ﷺ: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) يعني: لا أقول هذا من جهة الافتخار، ولكن أقول بالتحدث بنعمة الله ﷾ عليَّ، فكذلك إذا ذكرنا أنه خير الأنبياء لا يكون ذلك على وجه تفضيل النبي ﷺ والانتقاص للغير، أما أن يذكر على وجه المقارنة، كأن تقول: يونس عمل كذا، والنبي ﷺ عمل كذا، إذاً: النبي أحسن من يونس فإن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال: (لا ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى).
وقد أنبت الله ﷿ على يونس ﵊ شجرة اليقطين، فأحبها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهي شجرة قرع يجعلها الله ﷿ في هذا الموضع نعمة على هذا العبد، ففيها فضل وفيها خير، فأحب النبي ﷺ هذا الطعام، وجاءت أحاديث عنه صحيحة في سنن ابن ماجة وفي مسند الإمام أحمد منها: حديث لـ أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحب القرع)، وهو الدباء، وفي حديث آخر قال: (بعثت معي أم سليم بمكتل فيه رطب إلى رسول الله ﷺ فلم أجده، وخرج قريباً إلى مولىًً له دعاه، فصنع له طعاماً، فأتيته وهو يأكل، قال: فدعاني لآكل معه، قال: وصنع ثريدة بلحم وقرع)، فالرجل صنع ثريدة الطعام كأنه الفتيت وفيه اللحم ومعه قرع، فكان النبي ﷺ يعجبه القرع، قال أنس: (فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه فأدنيه منه ﷺ، وهذا من أدب أنس ﵁، حيث وجد النبي ﷺ يحب أن يأكل الدباء، فكان يجمعه قريباً من النبي ﷺ؛ ليأكل منه ﵊، قال: (فلما طعمنا منه رجع إلى منزله ﵊، ووضعت المكتل بين يديه -هدية أرسلتها أم سليم له برطب- فجعل يأكل) يعني: فاكهة أكلها ﷺ وقسَّم منه حتى فرغ من آخره، يعني: لم يأكل وحده، وإنما أعطى لمن معه من هذه الهدية التي جاءته.
وفي حديث آخر رواه ابن ماجة أيضاً وهو حديث صحيح عن جابر بن طارق بن عوف قال: (دخلت على النبي ﷺ في بيته وعنده هذا الدباء، فقلت: أي شيء هذا؟ قال: هذا القرع -وهو الدباء- نكثر به طعامنا).
فالإنسان المؤمن يحب ما أحبه النبي ﷺ، وهنا ننبه على شيء، وهو أن بعض أعداء هذا الدين لما عرفوا هذه الأحاديث أخذوا يستهزئون من ذلك، والمسلمون بجهلهم لا يعرفون هذا الشيء، فمنهم من يقول لك: أتحب القرع؟! فيجعل الشيء الذي كان يحبه النبي ﷺ شيئاً للتهكم فيتهكمون به، وهو يعلم أن النبي ﷺ كان يحب الدباء، فلا يحل لمسلم أن يستهين أو يتهكم أو يسخر مما كان يحبه النبي ﷺ أو يقول شيئاً على وجه التعريض، فيقصد معنى آخر، كأن يقصد السخرية من النبي ﷺ، والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.