Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (ابنوا له بنيانا فألقوه فجعلناهم الأسفلين)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٣٢٧/ ٧

تفسير قوله تعالى: (ابنوا له بنياناً فألقوه فجعلناهم الأسفلين)

إن إبراهيم ﵊ يناقش هؤلاء فلا يستطيعون أن يردوا عليه بالحجة، فيهزمهم في الرأي فيريدون أن يغلبوه بشيء ثانٍ غير الرأي، طالما ليس هناك فائدة في الرأي، فيقولون: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧] يعني: يبنون له قرناً كبيراً جداً من ورائه سور عظيم ويضعون فيه الحطب والخشب حتى يوقدوا ناراً عظيمة فيحرقوا بها إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وقوله تعالى: ﴿فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧] في ظنهم أنها جحيم، والجحيم: النار المستعرة، المتوقدة، فقالوا: ألقوه في الجحيم.

فكانوا جميعهم يجمعون الحطب والحجارة ويلقونها في هذا المكان الذي سيرمون فيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات:٩٨] أي: كادوا لإبراهيم، واحتالوا له الحيل بحيث إنه يكون في بناء محكم، ويرمونه من بعيد بالمنجنيق داخل هذه النار.

وهزمهم الله ﷾، وجعلهم الأخسرين، وجعلهم الأسفلين، ولم ينصرهم لا في حجة ولا بغلبة من قوتهم، فهزمهم الله ﷾، إذ قال الله سبحانه: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].

روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: في قول الله سبحانه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].

وروى البخاري أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل)، أي: يكفيني الله.

وكان كل من يعرض على إبراهيم المساعدة يقول: الله الذي يكفيني لا أحتاج إلى أحد إلا إلى الله، وكان آخر ما قاله إبراهيم ﵊ وهو يلقى في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.

جاء عن ابن عباس ﵁ قال: (بنوا حائطاً طوله في السماء: ثلاثون ذراعاً) يعني: حوالى خمسة عشر متراً، لكي يملئوه بالحطب، ويرموا فيه إبراهيم من بعيد على نبينا وعليه الصلاة والسلام، (فلما ألقوه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل).

وروى ابن ماجة، وأحمد من حديث نافع عن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة (أنها دخلت على عائشة فرأت في بيتها رمحاً موضوعاً، فتعجبت فقالت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ)، والوزغ: عبارة عن نوع من الأبراص وهو سام فالسيدة عائشة مجهزة الرمح في بيتها ﵂ لتقتل به الأوزاغ، وعللت فقالت: (فإن نبي الله ﷺ أخبرنا أن إبراهيم لما ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار غير الوزغ).

فالبشر كفروا بالله سبحانه، وجمعوا الحطب ليحرقوا إبراهيم ﵊، وما من دابة إلا وتذهب لتطفئ عن إبراهيم هذه النار التي أوقدها هؤلاء، إلا هذا الوزغ السام، كان ينفخ النار على إبراهيم ﵊، فأمر النبي ﷺ بقتله وسماه فويسقاً أو فاسقاً، ولكن أمر الله أسرع من هذا كله، فقد أتى أمر الله وتغيرت طبيعة النار نفسها، قال تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، ولو قال: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾، لكانت باردة فآذته ببردها، ولكن قال: ﴿بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، فكانت النار فيها السلامة لإبراهيم ﵊ باردة عليه، وهنيئاً له هذا الوقت الذي كان فيه.

ونجاه الله من أعدائه، إذ هم لا يقدرون أن يقربوا من النار، ولو كانت النار: ﴿بَرْدًا وَسَلامًا﴾ على الجميع لدخلوا إليه وأرادوا قتله بداخلها.

ولكن النار التي أججوها خافوا أن يقربوا منها وكانت: ﴿بَرْدًا وَسَلامًا﴾، عليه، وهم يرونه وينظرون إليه من بعيد وهو في هذه النار في عيشة هنية ﵊، ويتعجبون لأمره حتى خرج إليهم يمشي من هذه النار ولم تحرق منه إلا ما كان أغلالاً وقيوداً عليه، وخرج سليماً معافى، فكان من الله ﷿ المعجزة العظيمة في ذلك.

فقوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨] أي: المغلوبين، المقهورين بالحجة وبأمر الله ﷾.