تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (قال هل أنتم مطلعون)
أهل الجنة في نعيمهم العظيم يجعل الله ﷿ لهم ما يريدون فيها، وما يشتهون، وإذا أرادوا أن ينظروا إلى أهل النار جعل لهم ما يمكنهم من ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]؟ فاطلعوا من شرفات في الجنة على أهل النار فنظروا إلى أهل النار، فقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي: أتريدون أن تنظروا إلى هذا القرين الذي كان يكذب؟ اطلعوا وانظروا ماذا جرى له! قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] أي: فاطلع فرآه في قعر الجحيم وفي وسطه، وفي عذاب عظيم أليم، والجحيم: النار المتقدة المضرمة المتأججة، جحمت النار بمعنى: تأججت، واضطرمت، وازداد اشتعالها ولهيبها، ومنه يسمى الجمر، الجحيم، والجاحم، وكذلك الجحمة، والجحمة: عين الأسد؛ لكونه إذا رأى فريسة تحمر عيناه، فهي النار الحمراء المشتعلة المتوقدة الملتهبة، فاطلع فرأى صاحبه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥]، قال هذا المؤمن: ﴿تَاللَّهِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: بالله، والله ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: كدت لتهلكني، وإن أصلها (إنَّ) المثقلة التي تفيد التحقيق والتأكيد، ولذلك قال هنا: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦]، وجاء باللام الفارقة بين إن التي تفيد التحقيق، وبين إن التي تفيد النفي.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: لتهلكني.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] أي: ولولا أن من الله ﷿ علي وعصمني ونجاني من فتنتك ومن غوايتك ﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، كما أحضرت أنت، فكدت أن أكون مثلك أنا أيضاً، والمحضر: الذي جئ به، وغالباً لا تطلق إلا في الشر، يقال: فلان محضر يعني: أتي به لكي يعاقبوه.
فهنا قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧] يعني: في هذا العذاب الأليم كما أحضرت أنت وأدخلت في هذه النار.