تفسير أحمد حطيبة
عظيم فضل الله تعالى على عباده بالمسابقة إلى الطاعات والتوبة من السيئات
إن المسابقة إلى الله ﷿ وإلى طريق الله سبحانه أمر مرغوب فيه شرعاً، فمنهم هؤلاء السابقون بالخيرات بِإِذْنِ اللَّهِ، وهذا فضل من الله ﷾، يمن على من يشاء من خلقه، يعطيه الرزق ويمن عليه بالهدى، ويعطيه سماحة النفس ويمنعه شحها، فينفق في سبيل الله، ويخلف الله ﷿ عليه، ويعطيه الأجر من عنده، وكذلك إذا تاب الله ﷿ على عبد من عبيده فالتوبة من الله سبحانه، تاب عليه فألهمه أن يتوب، فتاب العبد فقبل منه.
فانظر إلى فضل الله وكرمه ﷾، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، هم عصوا الله سبحانه وعصوا رسول الله ﷺ، حيث أمرهم أن يخرجوا معه صلوات الله وسلامه عليه في غزوة تبوك، فإذا بهؤلاء الثلاثة يتخلفون عن النبي ﷺ، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، هؤلاء الثلاثة لما تخلفوا ظنوا أن الأمر واسع، وأن النبي ﷺ لا يكتب من الذي خرج ومن الذي لم يخرج؛ لأن الجيش عدده كبير فتخلف هؤلاء، فعصوا الله سبحانه، وعصوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاء النبي ﷺ ورجع من الغزو، جاء المنافقون يعتذرون للنبي ﷺ وكل منهم يبدي عذره، والنبي ﷺ يقبل بالظاهر ويدع السرائر لله ﷾.
وجاء هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع وكل منهم يقول: (يا رسول الله لم يكن لي عذر، فقال: أما هذا فقد صدق)، إذاً: فهذا الذي صدق، من الذي ألهمه أن يصدق مع النبي ﷺ؟ أليس هو الله ﷾ الذي يلهم عباده أن يصدقوا وأن يتوبوا؟ هؤلاء الثلاثة صدقوا مع النبي ﷺ فأخرهم، قال عن كعب: (أما هذا فقد صدق)، فأرجأه لأمر الله سبحانه وحكمه.
فهجره النبي ﷺ، وهجره أصحاب النبي ﷺ بأمر النبي ﷺ خمسين يوماً وليلة حتى جاءت التوبة من عند الله ﷾.
فهؤلاء الثلاثة ألهمهم الله التوبة فتابوا، فصدقوا في توبتهم، فإذا به يتوب عليهم ﷾، ويعبر في كتابه بهذا التعبير العظيم الجميل يقول: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨]، لم يقل: الذين تخلفوا مع أنهم تخلفوا حقيقة، ولكن الله ﷿ لا يعير بالذنب كرماً منه ﷾، ولكن قال: (خلفوا) فالنبي ﷺ خلفهم وأرجأهم لحكم الله سبحانه، حتى يقضي فيهم الله ﷾، ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:١١٨]، الإنسان مع إخوانه يحبهم ويحبونه ويودهم ويودونه، لكن حين يهجره جميع إخوانه يصعب الأمر على نفسه، وتضيق عليه الدنيا، طالما أنه مؤمن فهو يحب صحبة المؤمنين.
أما الفاسق والكافر فإنه يستبدل بالمؤمنين الفجار والكفار والفسقة، لكن هؤلاء إيمانهم صادق، لذلك جلس كل منهم في بيته ينتظر أمر الله على ما فرطوا في دينهم، وما فرطوا في أمر الله سبحانه، فتابوا توبة نصوحاً، فإذا بالله ﷿ يقبل منهم ذلك؛ لأن في قلوبهم حب الله وحب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وانظر إلى كعب بن مالك وقد ذهب يبحث عن ابن عمه أبي قتادة حتى وجده في حائط له داخل بستان، قال: فتسورت البستان، كأن الرجل من شدة ما هو فيه من غم لم ير باب البستان فتسور البستان من فوق السور، ودخل إليه ثم قال: السلام عليكم فلم يرد عليه؛ لأن النبي ﷺ منعهم من الكلام مع هؤلاء الثلاثة، فقال: ألا تعلم أني أحب الله ورسوله، فلم يرد عليه، فأقسم عليه قال: الله أعلم، ولم يزد على ذلك.
فكأن الدنيا قد أظلمت في عينيه فرجع إلى بيته وهو يتوسل إلى ربه ويتوب إليه سبحانه، حتى أنزل الله ﷾ التوبة على هؤلاء، فتاب عليهم وأخبر نبيه ﷺ، فأرسل إليهم يبشرهم بتوبة الله ﷿ عليهم، فقرأ عليهم قول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] أي: ليس لهم ملجأ من الله سبحانه يفرون منه إلا إليه ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١١٨]، فالله سبحانه ألهمهم أن يتوبوا إليه، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] أي: ليظهروا توبتهم إلى الله ﷿ فيقبل منهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، ﷾.
فالله صاحب الفضل على عباده، يلهمهم الإحسان ثم يحسن إليهم، ويجازيهم على ذلك ﷾، قال: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، أي: إن فعلك الخير ليس من عند نفسك، ولكن بتوفيق الله سبحانه، وانظر إلى قول شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، فهو يدعو الله أن يوفقه إلى رضوانه سبحانه.
وكذلك كل إنسان لا يوفقه إلا الله ﷾، فاعرف الفضل لصاحبه، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] أي: الفضل من الله ﷿ أن منَّ على هذه الأمة بأن أورثهم هذا القرآن العظيم وجعلهم من أهله، وجعلهم يعملون به، والفضل من الله أن يتوب عليهم وأن يدخلهم جنته، والفضل عليهم أن جعل منهم السابقين، والسابقون هم أعلى ما يكون عند رب العالمين ﷾.