Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٩٧/ ٤

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

قال الله ﷿ مجيباً لهؤلاء آمراً نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سبأ:٣٦] لا يبسط الرزق للمؤمنين فقط، ولا يبسط الرزق للكافرين فقط، لا يبسط الرزق لهؤلاء لأنه يحبهم ولا لهؤلاء لأنه لا يحبهم، ولكن الله ﷿ يبسط الرزق لمن يشاء، فمن شاء بسط له في الرزق وأعطاه المال الوفير والرزق الكثير، ومن شاء ضيق عليه وأعطاه المال القليل والرزق القليل، فالله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي: يقدر ويضيق على من يشاء سبحانه ﵎.

والله سبحانه عليم حكيم يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف:٣٣] أي: لولا أن يصير الناس أمة واحدة على الكفر وأن يكونوا كلهم كفاراً لجعل الله ﷿ الدنيا كلها للكفار.

ولولا أن تكون فتنة عظيمة للمؤمنين فإذا بالجميع يصيرون كفاراً: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] أي: ذهباً، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥] ما الذي منع الله سبحانه ﵎ أن يفعل ذلك؟ من حكمته سبحانه أنه يعلم أن هؤلاء الخلق سيصلون كلهم إلى الكفر؛ لأنهم سيرون فتنة شديدة لا يقدرون عليها، فلولا ذلك لأعطى للكفار الدنيا كلها ومنع المؤمنين منها، فالدنيا ابتلاء ومحن، والدنيا لا قيمة لها عند الله سبحانه ﵎، ولذلك جاء في الحديث: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).

فالدنيا لا تسوى عند الله ولا حتى جناح بعوضة، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يأخذ الكثير من هذه الدنيا.

فلولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعل الله هذه الدنيا للكفار ولحرم المؤمنين منها؛ فإنها لا قيمة لها، ولكن حكمة الله ﷿ أبت إلا أن يعطي هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك في هذه الدنيا، كما قال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] فهو الكريم يعطي سبحانه ﵎، ولكن العطاء الأعظم هو عطاء الآخرة التي يعطيها الله ﷿ للمؤمنين ويمنعها من الكفار، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:٣٦].

إذاً: فالله ﷿ يعطي الدنيا للمؤمنين ولغيرهم، فالمؤمن يعطيه في الدنيا الرزق الحسن، ويعطيه المال الصالح، ويختبره هل يتصدق؟ هل يخرج الزكاة؟ هل يتواضع بهذا المال الذي أعطاه الله سبحانه أم أنه يغتر بهذه الدنيا؟ فالله ﷿ يعطي للمؤمن الصالح مالاً صالحاً يصلح لمثله، فينتفع به ويؤدي حق الله سبحانه ﵎، ويؤجر عليه عند الله سبحانه ﵎.

ولذلك جاء في حديث رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه قال: (بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: خذ عليك سلاحك وثيابك ثم ائتني.

قال: فأتيته وهو يتوضأ).

وعمرو بن العاص ﵁ قال النبي ﷺ عنه وعن أخيه: (عمرو وأخوه مؤمنان) فشهد له صلوات الله وسلامه عليه بالإيمان.

وعمرو فرح بذلك، فجاء ليبايع النبي ﷺ على الإسلام، وكان عمرو بن العاص في جاهليته من رجال قريش ومن دهاتهم رضي الله ﵎، ثم أسلم عمرو بن العاص بعد ذلك، وجاء إلى النبي ﷺ ليبايعه على الإسلام فبسط النبي ﷺ يده فقبض عمرو يده وقال: أشترط.

فقال: (وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي) أي: أن ربنا يغفر لي الذنوب التي عملتها قبل ذلك.

فقال النبي ﷺ: (يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله؟) أي: إذا دخلت في الإسلام غفر الله ﷿ لك ما كان قبل ذلك، فأسلم رضي الله ﵎ عنه.

فهنا النبي ﷺ علم مقدرته على القتال وأنه يصلح للقيادة فقال له: (خذ عليك ثيابك) يعني: اذهب بيتك، والبس ثيابك وخذ سلاحك وتعال فقال: (ثم ائتني، فأتيته، وهو يتوضأ، فصعد فيّ النظر ثم طأطأ) يعني: نظر إليه من أعلاه إلى أسفله رضي الله ﵎ عنه، وقال له النبي ﷺ: (إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك) أي: أنا أريد أن أبعثك قائداً على جيش، فالنبي ﷺ قال له: (اذهب خذ عليك ثيابك وسلاحك) فلما جاء نظر إليه من أعلاه إلى أسفله فرآه مكتمل العدة، لابس السلاح ولابس الثياب التي تصلح للحرب وللقيادة، فلما جاء قال له النبي ﷺ: (إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة) يعني: أنا أرغب لك أن يكون عندك شيء من المال، رغبة صالحة، فماذا كان جواب عمرو بن العاص؟ قال: قلت: (يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال) قال ذلك خشية أن يكون النبي ﷺ يتألفه بذلك، وأنه أسلم من أجل المال، فهنا لما سمع النبي ﷺ يقول: (أرغب لك من المال رغبة صالحة) يعني: أنا لست داخلاً في الإسلام من أجل المال، قال: (يا رسول الله! إنما أسلمت لأكون معك، لم أسلم من أجل المال) يعني: ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون معك يا رسول الله.

وهذا جواب جميل من عمرو ﵁، فقال النبي ﷺ: (يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح).

إذاً: الإنسان المؤمن حيث يكون معه مال هذا شيء ليس سيئاً، وليس خبيثاً، ومن أعظم المال وأصلح المال وأطيب المال ما كان من رزق حلال، ومن أعظم الرزق الحلال الرزق في الجهاد، والغنيمة في الجهاد في سبيل الله التي جعل الله سبحانه رزق نبيه ﷺ في ذلك، كما قال ﷺ: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) يعني: رزقه من جهاده في سبيل الله سبحانه ﵎.

فهنا ظهر لنا في الحديث أن النبي ﷺ يخبرنا أن المؤمن قد يكون له مال صالح ومال حلال، ولا مانع من ذلك، فمهما وجد مالاً كثيراً صالحاً فإن المؤمن يستعمله في مرضاة الله سبحانه ﵎، ولذلك ربنا سبحانه لم يحرم المؤمنين من ماله في الدنيا.