Skip to content

تفسير أحمد حطيبة ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين صفية رضي الله عنها

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٧٠/ ٩

ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين صفية ﵂

ومن نساء النبي ﷺ السيدة صفية بنت حيي بن أخطب الهارونية، من أولاد هارون أخي موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

كانت السيدة صفية بنت سيد قومها أيضاً، وسباها النبي ﷺ في يوم خيبر، ومنّ عليها ﷺ وأعتقها وأسلمت، وتزوجها النبي ﷺ فصارت أماً للمؤمنين رضي الله ﵎ عنها.

ففي غزوة خيبر كانت أمة عند واحد من أصحاب النبي ﷺ اسمه دحية الكلبي، وقعت في سهمه وأراد بيعها فاشتراها منه النبي ﷺ بسبعة أرؤس، وصارت أمة للنبي ﷺ فأعتقها ومن عليها وتزوجها.

نلاحظ أن السيدة جويرية كانت أمة واشتراها النبي ﷺ ومَنّ عليها وأعتقها وتزوجها، وجاء في حديثه ﷺ أن من الناس من يؤتى أجره عند الله مرتين، أي: يؤتى الأجر مضاعفاً عند الله، منهم: (من كان عنده أمة رباها فأحسن تربيتها، ثم أعتقها وتزوجها)، فالإنسان عندما يكون عنده أمة يملكها، فما الذي يجعله يعتقها ثم يتزوجها كأي حرة؟ فأي إنسان سيكون تفكيره على ذلك، إذ هي عندما تكون أمة عنده فهو يملكها، ويستمتع بها كما يشاء، ويوماً ما تضايقه فيبيعها، فالنبي ﷺ أراد أن يحث الناس على تحرير الرقاب فبدأ بنفسه يعتق ﵊، وكم أعتق من الرقاب ﵊، يقولون: فلان مولى رسول الله ﷺ، فلان مولى رسول الله ﷺ، يعني: كان عبداً عند النبي ﷺ فأعتقه.

ولعل الإنسان عندما يقول: هذه الأمة أنا أعتقها ثم أتزوجها تكون هذه معرة، فيقوم النبي ﷺ بذلك حتى يكون قدوة للخلق ﵊، فهذه جويرية رضي الله ﵎ عنها كانت من سبي بني المصطلق، كانت أمة وصارت عند النبي ﷺ كذلك، فإذا به يعتقها ﷺ ويتزوجها حتى يتعلم من كانت عنده أمة أن يعتقها.

ولعله إن أعتق الأمة وتركها ليس لها أهل؛ لأنها من قبيلة أخرى، فقد تضيع بين الناس، فإذا تزوجها حافظ عليها وصارت معززة مكرمة عنده فازدادت منزلتها، ففعل ذلك ﷺ بالسيدة جويرية وفعل ذلك بالسيدة صفية بنت حيي.

وصفية بنت حيي أبوها حيي بن أخطب، قتل كافراً يهودياً، فهو الذي كان سبب مجيء قريش إلى النبي ﷺ في غزوة الخندق، ومع ذلك فإن النبي ﷺ لا يعامل إنساناً بمعاملة إنسان آخر آثم، ولكنه يعتقها ﷺ وتسلم ﵂، ويتزوجها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وتكون أماً للمؤمنين تحدّث عن النبي ﷺ.

فالسيدة عائشة اغتاظت منها مرة من المرات، فتقول للنبي ﷺ: إن صفية -وتشير بيدها- قصيرة، فغضب النبي ﷺ لذلك وقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)، أي: فلو وضعت هذه الكلمة في ماء البحر لأنتن، مع أن البحر طهور لا ينجسه شيء، لكن هذه الكلمة تنجس ماء البحر لو وضعت عليه، والكلمة هي أنها أشارت بيدها أنها قصيرة.

وكم في مجالسنا من القيل والقال، وهذا من شؤم الإنسان أن يتكلم بالغيبة والنميمة على الخلق.

السيدة حفصة في مرة من المرات كانت مع النبي ﷺ في سفر، وكانت السيد صفية معه أيضاً، والسيدة صفية راكبة على جملها، وحدث للجمل حدث فلم يصلح للركوب، وكان عند السيدة حفصة أكثر من جمل، فطلب منها النبي ﷺ أن تعين بما عندها، كما قال النبي ﷺ: (من كان عنده فضل ظهر فليعد من لا ظهر له)، فالسيدة حفصة كأنها أخذتها الغيرة، فقالت للنبي ﷺ: أنا أعطي هذه اليهودية.

وهذه كلمة ليست طيبة أبداً، ولما قالتها سكت عنها النبي ﷺ وهجرها فترة طويلة على هذا حتى تأدبت، وحتى يئست من أن يأتيها النبي ﷺ، ولم يكلمها أبداً ﵊ فترة طويلة حتى أحدثت توبة إلى الله ﷿، فجاءها النبي ﷺ بعدما تابت من هذا الذي قالته، وبعدما عاقبها فترة طويلة على ذلك.

وفي ذلك دلالة على تأديب النبي ﷺ لأهل بيته، فالغيرة موجودة، ولكن أن تصل الغيرة إلى أن يقال عن واحدة قد أسلمت: يهودية؛ فهذا لا ينبغي، واليهودية إذا أسلمت لها أجران عند الله ﷿، أجر أنها كانت يهودية ثم عرفت الحق، فاتبعت الحق ودخلت في الإسلام، فتؤتى أجرها مرتين عند الله ﵎.

وكان بعض نساء النبي ﷺ يتعالين عليها، فكان النبي ﷺ يعلم السيدة صفية أن ترد عليهن بقولها: إنها تحت نبي وأبوها نبي، أي: أبوها سيدنا هارون أخو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

فالنبي ﷺ يأخذ لها حقها ممن يظلمها، وقد تعلمنا من حياة النبي ﷺ ومن سيرته مع نسائه كيف كان يعدل بينهن ﵊، كيف كان يأخذ الحق لصاحبه، وهذا من ضمن الحكم في تعدد نساء النبي ﷺ، إذ تحدث حوادث ونرى كيف يصنع النبي ﷺ فيها، وكيف يصبر على أذى نسائه ﵊، وكيف يؤدبهن ويهذبهن ﵊، فيتعلم المسلمون من النبي ﷺ، فهو القدوة الحسنة.

نسأل الله ﷿ أن يجعلنا معه في الجنة صلوات الله وسلامه عليه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.