تفسير أحمد حطيبة
مصعب بن عمير ممن قضى نحبه
جاء أيضاً في حديث رواه البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر مصعب بن عمير وكان قد مر عليه ﷺ في أحد وهو مقتول رضي الله ﵎ عنه فذكر هذه الآية.
وكان مصعب أول داعية إلى الإسلام في المدينة، حيث سبق النبي ﷺ في المجيء إلى المدينة، وظل يدعو الناس في المدينة، فما ترك من بيت إلا ودخل فيه الإسلام بفضل الله ثم بسبب مصعب رضي الله ﵎ عنه، فقد كان جهاده وبلاؤه حسناً.
وكان مصعب في مكة شاباً فتياً غنياً عزيزاً في قومه، وكانت أمه غنية جداً، وكانت تنفق عليه رضي الله ﵎ عنه، وتعطيه مالاً كثيراً، ومع ذلك فضل أن يدخل في دين الله ﷿، وأن يترك المال الذي كان فيه، فترك الغنى وترك الترف، ودخل في دين الله ﷿ ليبتلى ويقتل شهيداً رضي الله ﵎ عنه في يوم أحد، فقيراً ليس معه شيء إلا بردة، إذا كفنوه فيها فغطوا رأسه بدت قدماه، فإذا غطوا قدميه بدا رأسه رضي الله ﵎ عنه، فلما مر عليه النبي ﷺ ذكره وقرأ هذه الآية: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣])، وقال ﷺ: (وأشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم).
فأمرهم بأن يزوروا شهداء أحد، وشهد لهم النبي ﷺ أنهم شهداء عند الله ﷿.
فالمعنى هنا: أن هؤلاء قضوا ما أمر ﷿ به، ووفوا لله سبحانه بعهدهم، فكان لهم الأجر العظيم عند الله، ولهم الجزاء على صدقهم، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، ليس من جنس طلحة فقط، بل منهم سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، وحمزة عم رسول الله ﷺ، وأنس بن النضر، وصحابة كثيرون، كلهم قضوا ما أمر الله ﷿ به، عاهدوا النبي ﷺ على الإسلام، وعاهدوه على الجهاد في سبيل الله، وبايعه بعضهم على الموت في سبيل الله شهداء، فكان أن وفوا لله عهدهم فأعطاهم الله الأجر العظيم.
نسأل الله ﷿ أن يحشرنا مع رسول الله ﷺ، ومع هؤلاء الصحابة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.