Skip to content

تفسير أحمد حطيبة استشارة النبي ﷺ لأصحابه

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٥٧/ ٧

استشارة النبي ﷺ لأصحابه

ولقد أقام النبي ﷺ على هذا الحصار بضعاً وعشرين ليلة، فغزوة الأحزاب ليس معناها أنها كانت يوماً واحداً، بل ظلت بضعاً وعشرين يوماً على هذا الرعب وهذا الخوف، والكفار كانوا مستعدين يبحثون عن مكان يدخلون منه على المسلمين، والمسلمون كانوا متحصنين بهذا الخندق، ومن ثم قد يخرج اليهود عليهم من الخلف، ولكن تحدث من الله ﷿ المعجزة والنصر للمؤمنين وهم على ذلك.

وحصل بين الكفار والمسلمين مناوشات بالرماح والرمي بالأحجار، ولم يصل بعضهم إلى بعض بسبب الخندق، ولما رأى رسول الله ﷺ أن البلاء قد اشتد على المسلمين وأصابهم الخوف، ومن ثم بدأ الشك في قلوبهم وذلك لخيانة اليهود أراد أن يذهب عنهم هذا الخوف، فلجأ إلى أن يعمل معاهدة بينه وبين بعض الكفار، أن يكفون عن القتال ويعطيهم شيئاً، فأراد النبي ﷺ أن يصنع ذلك لا خوفاً على نفسه ﵊، لكن خوفاً على المؤمنين الذين زاغت أعينهم واضطربت قلوبهم.

فأرسل إلى عيينة بن حصن الفزاري وإلى الحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان فجاءا إلى النبي ﷺ، فأراد ﷺ أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة ويكفون عن الحرب.

إذاً هنا نصف جيش الكفار سيرجع ويبقى خمسة آلاف وعدد المسلمين ثلاثة آلاف، فالعدد يكون متكافئاً بينهما، فالنبي ﷺ شاور الأنصار، كان ليفعل شيئاً حتى يستشير أصحابه ﵊.

فشاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة على أن يعطيهم ثلث ثمر المدينة ويرجعوا عن الحرب.

والمشاورة دائماً تكون مع كبار القوم أهل الحكمة وأهل العلم وأهل الإيمان، فلا يمكن أن يأتي النبي ﷺ إلى جيش عدده ثلاثة آلاف مقاتل ويستشيرهم واحداً واحداً، ولكن يشاور الكبار مثل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ﵄، فالكبير دائماً عنده أدب وعنده رأي وحكمة، فقالا للنبي ﷺ: (يا رسول الله! هذا أمر تحبه فنصنعه لك؟ أو شيء أمرك الله به فنطيعه؟ فقال النبي ﷺ: بل أمر أصنعه بنفسي)، أي: لم يأمرني ربي ولا أريد هذا الشيء ولكن من أجل الخوف الذي ملأ قلوب الناس قلت لكم هذا الأمر.

أو قال ﷺ: (والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فقال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله! والله لقد كنا ونحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزنا بك نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

فسر رسول ﷺ، أي: فرح ﷺ بذلك؛ لأنه لم يرد غير ذلك ﵊، وقال: (أنتم وذا، وقال للاثنين من رؤساء الكفار: انصرفا فليس لكم عندنا إلا السيف).