Skip to content

تفسير أحمد حطيبة ما اشتملت عليه سورة الأحزاب

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٥٠/ ٩

ما اشتملت عليه سورة الأحزاب

أغراض السورة يعني: ما أشارت إليه هذه السورة من أولها إلى آخرها: يذكر الله ﷾ في أولها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].

وهذه السورة ترد على الكفار والمنافق، فهم طلبوا من النبي ﷺ شيئاً، فالله ﷿ حذره أن يطيع هؤلاء الكافرين والمنافقين، وكان من اعتراضهم على النبي ﷺ أنه كيف يتزوج بـ زينب بنت جحش وهي ابنة عمه، وكان قد زوجها مولاه زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان حراً في البداية، ولكن خطفه بعض العرب من أهله، ثم باعوه، فوصل إلى خديجة بنت خويلد ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه النبي ﷺ وتبناه ﵊.

فصار ابناً للنبي ﷺ على ما كان عليه أمر العرب الأول، ولما تبناه وأحبه النبي ﷺ شرفه بأن جعله يتزوج ابنة عمه وهي السيدة زينب بنت جحش، وهي شريفة من آل النبي ﷺ، وهو مرتبته أنه كان عبداً، فأنفت من ذلك، ولهذا لم تدم العشرة بينهما، فالنبي ﷺ كان يأتيه زيد ويريد أن يفارقها ويريد أن يطلقها، فيقول له: اتق الله واصبر كما حكى الله أنه كان يقول: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧]، حتى أخبره ربه سبحانه أن زيداً لن يعيش معها، بل سيفارقها وستتزوجها أنت يوماً من الأيام، فإذا به يستحيي صلوات الله وسلامه عليه، فيأتيه زيد ويقول للنبي ﷺ: إني أريد أن أفارقها، فإذا بالنبي ﷺ يستحيي فيقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك.

فإذا بالله ﷿ يعاتبه في ذلك ويقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧].

والنبي ﷺ مستحيل أن يخفي شيئاً من كتاب الله أو من شرع الله سبحانه، فإذا كان في هذا الأمر البسيط الذي انبنى على حيائه ﷺ حيث كان يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك.

فقد كان في خاطر النبي أنه إن طلقها تزوجتها كما أمر الله، وليس بلازم علي أن آمره بطلاقها، فهذا ما كان يجول في خاطره، فإذا بالله يعاتبه ويقول: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فمهما أخفاه النبي ﷺ فالله يبديه سبحانه، ولم يكن ليخفي شيئاً أبداً صلوات الله وسلامه عليه من شرع الله وقد قال له ربه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].

فهنا لما طلقها زيد إذا بها تصير شيئاً كبيراً في نظره، فبعد أن طلقها صار يهابها، ويعلم أنها لا تليق إلا بالنبي ﷺ ولا تليق بـ زيد، فتزوجها النبي ﷺ وصارت أماً للمؤمنين بما فيهم زيد الذي كان زوجاً لها في يوم من الأيام.

وإذا بالمنافقين يتكلمون في هذا الشيء، ويقولون: كيف يتزوج زوجة ابنه؟ وهو يقول لنا: الرجل يحرم عليه أن يتزوج زوجة ابنه، فإذا بالله ﷿ يكذبهم في ذلك، ويخبر أن هذا ليس ابناً على الحقيقة، وكذلك كل من ادعيتموه من أولاد ليسوا أبناءكم، بل قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وإذا بالله ﷿ يشرع أنه لا يجوز التبني.

فيجوز أن تكفل اليتيم، وتربيه، أما أن تتبناه ويصير ابناً لك فلا يجوز ذلك، وهذا الأمر أمر عصيب على إنسان جربه، فلو أن إنساناً أخذ طفلاً من ملجأ ونسبه إلى نفسه ورباه فترة طويلة إلى أن كبر وصارت بينهما علاقة، وشفقة، فإنه يصعب عليه أن يقول له: لست ابني.

فلو أن الله ﷿ أنزل للناس هذا الحكم لكان يصعب عليهم تطبيقه، فإذا بالله ينزله أول مرة في النبي ﷺ حتى نقتدي به، فإذا بالناس منهم من يقول: أأحب هذا أكثر من حب النبي ﷺ لـ زيد؟ لا يكون أبداً، وهل هو متعلق بي أكثر من تعلق زيد بالنبي ﷺ؟ لا يمكن أن يكون هذا الشيء، فإذا بالنبي ﷺ يأمره ربه أن فارق هذا؛ فإنه ليس ابناً لك، ولكن ادعه لأبيه، فإذا به بعد أن كان اسمه زيد بن محمد ﵊ يعود إلى اسمه الأول زيد بن حارثة.

أما كونه كان حبيباً للنبي ﷺ فهذا لم ينقطع، إذ هو حبيب للنبي ﷺ، وابنه أسامة بن زيد حبيب للنبي صلوات الله وسلامه عليه أيضاً.

إذاً: من أغراض هذه السورة تحريم التبني، وبدأ الله ﷿ بنبيه ﷺ في ذلك.

ومن أغراضها: أنه يجوز لمن كان قد تبنى إنساناً أن يتزوج زوجة متبناه إن طلقها؛ لأنه ليس حماً لها على الحقيقة.

ومن أحكام هذه الآية أن الله ﷾ يخبرنا أن الحق في قوله، وأنه العليم الخبير بأعمال العباد سبحانه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١]، ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٣٤]، ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤].

فمهما قلتم من شيء عارض كلام الله فكلام الله الحق وكلامكم الباطل، فخذوا بكلام الله ﷾.

ومن أغراض هذه السورة التنبيه على ولاية النبي ﷺ للمؤمنين، بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٦]، أي: حتى من أنفسهم، فإذا اختار الإنسان لنفسه شيئاً، واختار له النبي ﷺ شيئاً آخر فليأخذ هذا الذي اختاره النبي ﷺ؛ لأنه أولى به من نفسه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.