تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه)
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢].
قوله: (تنزيل) مرفوع على الابتدأ أو على الخبر؛ فعلى الخبر يكون المعنى: هذا تنزيله, وعلى أنه مبتدأ يكون الخبر: ((لا رَيْبَ فِيهِ))، أو ((مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
وقوله: (تنزيل) أي: منزل من السماء من عند رب العالمين، وفيه إشارة إلى أن الله سبحانه فوق سماواته سبحانه ﵎، فنزل الكتاب من عنده سبحانه على النبي ﷺ، فهو ليس من قول النبي ﷺ، وليس من كلام الملائكة، وإنما هو كلام رب العالمين نزله سبحانه كتاباً إلى السماء الدنيا، ثم نزله منجماً على النبي ﷺ، ففي كل حادثة من الحوادث ينزل من القرآن ما يحكم الله ﷿ فيه بين خلقه.
قال تعالى: ((تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ)) أي: لا شك في هذا التنزيل ولا شك في أنه كتاب رب العالمين سبحانه.
وجمهور القراء على عدم المد في اللام، ووجه عند حمزة أنه يمده مداً متوسطاً، فيقول: (لآ ريب فيه).
وهذا المد المقصود منه المبالغة في النفي, وكأن مده مبني على حكمة من الحكم، مثل كثير من القراء الذين ينقصون في مد الهمز المنفصل فإذا جاءوا عند كلمة: لا إله إلا الله يمدونها، ليس من أجل المد المنفصل، وإنما مبالغة في التعظيم الله سبحانه ﵎، ونفي الشريك عنه سبحانه ﵎، وحمزة العادة في المد عنده أنه يمد مداً طويلاً ست حركات، ولكنه هنا يمد مداً متوسطاً على أحد الأوجه عنده، فيقول: (لآ ريب فيه من رب العالمين).
وأيضاً كلمة (فيه) يقرؤها ابن كثير بإشباع كسرة الهاء التي في آخرها، ويقرؤها باقي القراء بالكسر فقط من غير إشباع.
والرب سبحانه هو الخالق المالك المدبر سبحانه ﵎، الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، وهو المشرع الذي يشرع لخلقه.
فله الخلق وله الأمر وهو الرب سبحانه ﵎.
والفرق بين الإله والرب أن الإله بمعنى: المعبود، والرب بمعنى: الخالق والصانع والفاعل سبحانه ﵎.
ومقتضى الرب أن يعبد سبحانه ﵎؛ لكونه يخلق ويرزق ويفعل أفعالاً يستحق بها أن يعبده الخلق فيؤلهوه.
والألوهية مقتضاها عبادة الخلق للرب سبحانه ﵎؛ لأنه مستحق لذلك، فالربوبية مقتضاها أفعال من الرب سبحانه من أنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويدبر الأمر، وينبني على ذلك أنه يستحق أن يؤلَّه وأن يعبد وحده لا شريك له.
قال تعالى: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)) والعالمين: كل ما سوى الله سبحانه ﵎، فالإنس عالم، والجن عالم، والدواب عالم، والحشرات عالم، وعالم علوي، وعالم سفلي، فكل واحد منها عالم من العوالم، والله سبحانه هو الرب للجميع، وهو ملك الملوك سبحانه ﵎، ورب العالمين.
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢].
وهذه إذا وقف عليها يعقوب ومثلها الأسماء المجموعة جمع مذكر سالم يقول: العالمينه، بهاء السكت.
ومثلها في الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، إذا وقف عليها أبو جعفر ويعقوب فيقرآنها بهاء السكت في آخرها.
وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢] يرد على من يقول: إنه سحر أو إفك مفترى أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين، فهو يرد عليهم ويقول: إن هذا كتاب رب العالمين سبحانه.