Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٠١/ ٥

تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

أما المؤمنون الصالحون المجاهدون في سبيل الله ﷿، فقد مدحهم الله ﷿ في كتابه، وأعد لهم الجنات العظيمة كما تقدم قبل ذلك، وهنا يخبر بمعيته سبحانه لهؤلاء حيث يبين الله أنه مع هؤلاء المؤمنين المتقين المحسنين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، أي: لنهدينهم طرق الحق، فمن جاهد في الله هداه الله ﷿، ومن جاهد في الله ثبته الله ﷿، ومن جاهد في الله علمه الله، من جاهد في الله كان محسناً، وكان الله معه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، فهو سبحانه يؤكد ذلك، فكن محسناً، والإحسان كما جاء في حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فإن لم تكن أنت ترى الله ﷿ فالله يراك، فلا بد أن تراقب الله ﷾، وتعبده كأنك تراه.

ففي هذه الآية قد أخبرنا الله أنه مع المحسنين الذين جاهدوا في الله ﷿، فجاهد في سبيل الله حتى يهديك الله سبحانه، ويبين لك السبل، والجهاد جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الهوى، والجهاد في طلب العلم الشرعي، وجهاد الكفار والمنافقين، وكل بحسب ما يستحقه من نوع الجهاد.

وإذا اتقى العبد ربه وأحسن في عبادته لله، فإن الله ﷿ يكون معه.

ويقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].

وجاء عن عمر بن عبد العزيز رضي الله ﵎ عنه أنه قال: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، فانظروا إلى الكلام العظيم الجميل للإمام عمر بن عبد العزيز ﵁، لقد كان عمر بن عبد العزيز من العلماء، ومع ذلك من تواضعه يقول: إنما قصر بنا ودفعنا إلى الجهل ومنعنا من العلم تقصيرنا في العمل.

وكان الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ﵁ يقول: ما احتقرت نفسي عند أحد - يعني من العلماء - إلا عند عمر بن عبد العزيز ﵁، هذا هو ابن شهاب الزهري الذي يقول علماء الحديث: حديث لا يعرفه الزهري فليس بحديث، فـ الزهري عالم عظيم من أعلم الناس بحديث النبي ﷺ، ومن أحفظ الناس وأتقنهم، ومع ذلك يقول: إنه لم يحقر نفسه عند أحد من العلماء أبداً، فكل العلماء يراهم دونه ﵁، إلا عمر بن عبد العزيز، فقد كان عمر بن عبد العزيز عالماً عظيماً، وكان إماماً رضي الله ﵎ عنه، فيرى نفسه أنه أقل من عمر بن عبد العزيز ﵁.

إن عمر بن عبد العزيز حين توفي لم يتجاوز بضعة وأربعين سنة، رضي الله ﵎ عنه، ومع ذلك كان الخليفة العادل الذي لم تشغله الخلافة عن العلم الشرعي، ولم يشغله شيء عن العلم الشرعي، وإنما تجرد لله ﷾، وعمل لله، فكان الخليفة الراشد رضي الله ﵎ عنه.

يقول عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا -أي: الذي دفعنا للجهل ونحن لا نعرف مزيداً من العلم- قال: تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا، لأورثنا الله علماً لا تقوم به أبداننا.

إذاً: العلم ليس الحفظ والتحصيل فقط، بل العلم هو العمل به، فالإنسان يعمل بما علم، وكلما علم عمل بما علم، فالله ﷿ يفتح له علوماً أخرى غير التي عمل بها، فيقول عمر ﵁: لو عملنا ببعض ما علمنا، لأورثنا الله علماً لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].

يقول أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين والرد على المبطلين، والمعنى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، من نصروا دين الله ﷿ بكل وسيلة لنصر دين الله ﷿، من جهاد بقوة وسلاح وسيف وسنان، ودعوة باللسان، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، يقول الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أي: أن أعظم شيء في الجهاد هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفس في طاعة الله ﷿، وهو الجهاد الأكبر، فالإنسان المسلم إذا جاهد نفسه استطاع أن يجاهد أعداءه، أما إذا كان لا يجاهد نفسه، وإذا كان يتبع هواه وشهواته، فإنه لا يقدر أن يجاهد أعداء الله ﷾.

أيضاً جاء عن سفيان بن عيينة، أنه وصى ابن المبارك ﵄، فقال: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وابن المبارك وما أدراك من ابن المبارك ﵁! كان إماماً عظيماً عالماً فقيهاً محدثاً، عالماً بالقرآن، حتى قالوا: إنه كان إماماً في تسع عشرة خصلة من الخصال، فقد كان إماماً في الفقه، وإماماً في القرآن، وإماماً في الجهاد في سبيل الله ﷿، وإماماً في العمل، وإماماً في الزهد، وإماماً في الحديث، وإماماً في أشياء كثيرة، رضي الله ﵎ عنه، فكانت وصية سفيان بن عيينة لـ ابن المبارك نافعة له، يقول له رضي الله ﵎ عنه: إذا رأيت الناس قد اختلفوا، وأردت أن يوفقك الله للحق، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، أي: كن مع المجاهدين، وكن مع أهل الثغور، فالله يهديك لما يحبه سبحانه، وما اختلف الناس فيه، قال: فإن الله يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

نسأل الله ﷿ أن يجعلنا مع هؤلاء.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.