Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تفسير قوله تعالى: (بل هو آيات بينات)

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ١٩٦/ ٥

تفسير قوله تعالى: (بل هو آيات بينات)

قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] إذاً: النبي ﷺ لم يكن يقرأ ولا يكتب.

أما ما جاء أنه ﷺ لم يمت حتى كتب فهذا لا يصح، ولا ينافي ذلك أنه كتب اسمه ﷺ في عام الحديبية عندما كتب علي ﵁ محمد رسول الله ﷺ؛ فإذا بـ سهيل بن عمرو يعترض ويقول: لو كنا نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله.

فرفض علي ﵁ أن يغير رسول الله ﵊ فأخذ النبي ﷺ منه القلم ومحا كلمة (رسول الله) وكتب مكانها (ابن عبد الله).

فهذه معجزة له ﷺ لكونه لا يجيد قراءةً ولا كتابة، وهذه المرة عرف مكان كلمة (رسول الله) فشطبها وكتب (ابن عبد الله)، فهذه المرة الوحيدة التي كتب فيها.

والعلماء اختلفوا في ذلك: هل كتب بنفسه ﷺ أو أمر غيره أن يكتب؟ ففي الحديث الذي في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ أمر علياً وأمره أن يمحو ذلك، فـ علي قال: والله لا أمحوه.

فقال رسول الله ﷺ: أرني مكانها) أي: أين مكانها من الصحيفة، إذاً: حتى هذا الحين لا يستطيع أن يقرأ ولا يكتب، فأشار له إلى مكان كلمة (رسول الله) فمحاها بيده وكتب مكانها: ابن عبد الله.

وأكثر أهل العلم على أنه أمر غير علي ﵁ أن يكتب ذلك.

وبعض أهل العلم ذكر أنه كتب بيده ﷺ، وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي كتب فيها ﷺ، فتكون هذه معجزة من معجزاته ﵊؛ لأنه ليس هناك أحد يكتب فجأة.

وقد خاطب الله تعالى النبي ﷺ بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] فذكر شيئين: النبي ﷺ والكتاب.

ثم قال: ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ)) فاختلف المفسرون في عود الضمير (هو) فقال بعضهم: إنه عائد على القرآن، أي: القرآن آيات بينات.

وقال بعضهم: إنه عائد على النبي ﷺ نفسه، أي: النبي ﷺ آية من رب العالمين ﷾ أن يكون نبياً أمياً لا يقرأ ولا يكتب ويأتي بهذا الإعجاز العظيم من عنده سبحانه.

فالذين قالوا: (بل هو) عائد على القرآن، قالوا: القرآن آيات بينات جليات واضحات من رب العالمين لا غموض ولا إشكال فيها، والذين أوتوا العلم هم الذين يفهمون ذلك ويحصلونه ويحفظونه في صدورهم.

إذاً: على هذا القول يكون القرآن هو الكتاب الوحيد الذي في الصدور، والتوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله ﷿ التي نزلت لم ييسر حفظها لأحد، إنما كان يحفظها فقط الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما الناس فلم يكونوا يحفظونها؛ ولذلك حرفت هذه الكتب، وسهل بذلك تبديلها وتغييرها، وشرحها بغير لغتها، فإذا بدلها بغير لغتها حرف فيها ما يشاء.

أما القرآن فهو منضبط محفوظ في الصدور، يحفظه المسلمون من لدن النبي ﷺ إلى ما يشاء الله ﷾.

فالقرآن آيات محفوظة في الصدور ومكتوبة في الصحف، فالإنسان المؤمن يحفظ كتاب الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].

وعلى القول الآخر بأن المعنى: هو النبي ﷺ، ففي قوله تعالى: (آيات) معنيان: الأول: وجدان أهل الكتاب اسم النبي ﷺ وصفته في كتبهم، ثم يجدونها محققة في شخصه، فيكون ذلك دافعاً لهم على الإيمان به، فقد كان البعض منهم يأتي إليه ويختبر تحقق هذه الصفات فيه، فإذا تأكد أنه فعلاً النبي ﵊ دخل في دين الله ﷿.

ويكون المقصود بقوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] أن من أهل الكتاب من عرفوها من كتبهم.

والقول الآخر: أي: أن النبي ﷺ ذو آيات بينات، أي: صاحب معجزات من عند رب العالمين أعظمها هذا القرآن العظيم، ومنها الآيات الأخرى مثل: انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه حتى يتوضأ ويشرب جيشه الذين معه، وقد تكرر ذلك مراراً، وغير ذلك من بركات ومعجزات جعلها الله ﷿ على يده، حتى يعرف أهل العلم ذلك ويستيقنون، وأما من يجحدون بذلك فهم الظالمون، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.