تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض)
ثم يذكرنا الله ﷾ بيوم القيامة فيقول: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] أي: اذكر ذلك، وفي الزمر قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، وهما النفختان: نفخة الموت، ونفخة النشور.
قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧] (ويوم) منصوبة مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر أو اذكروا يوم ينفخ في الصور.
والصور: القرن أو البوق مثل الزمارة، وهو بوق عظيم جداً خلقه الله ﷿، وخلق له ملكاً موكلاً به، وهو إسرافيل ينفخ في الصور حين يأمره الله ﷾.
روى الإمام الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ فقال: قرن ينفخ فيه).
وروى الترمذي من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ؟!)، فهذا النبي ﷺ الذي هو محسن لا يسيء، والذي عصمه الله ﷾ فلا يقع في كبيرة ولا في صغيرة ﵊، هذا النبي الذي قال له ربه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، ومع هذا يقول: (كيف أنعم) أي: كيف أتلذذ وأتنعم بهذه الدنيا، وأنا أعلم أن الملك قد أخذ الصور ينتظر أمر الله ﷾؟! فالأمر عظيم جداً، والساعة قريبة، فمنذ خلق الله ﷿ الملك إسرافيل وخلق الله ﷿ له هذا البوق لينفخ فيه؛ وهو مستعد لينفخ فيه حين يأمره الله ﷿.
وجاءت في حديث لفظه: (إنه لا يطرف)، أي: يطرف جفناه خوفاً من أنه إذا أغمض عينيه يأتي أمر الله ﷿، فهو مستعد للنفخ في الصور بإذن الله رب العالمين، وقد ثقل ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فقال لهم النبي ﷺ: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا).
فليكثر المسلم من قول ذلك، وليتذكر ذلك، وأنه وإن غفل فليس الله غافلاً عنه، وأنه إن عاش في الدنيا ما بدا له فهو إلى موت وإلى قيامة وإلى حساب بين يدي الله ﷿.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور).
وقد جاءت الأحاديث بأن هذه النفخة تكون يوم جمعة، وأن بين النفختين أربعين، ففي سنن أبي داود والنسائي من حديث أوس بن أوس عن النبي ﷺ قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم ﵇، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة).
فيوم الجمعة فضل بأن خلق الله فيه آدم، وفيه مات ﵊، وفيه الصعقة حين يموت الخلق.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ: (بين النفختين أربعون)، ولم يحدد هل هي أربعون يوماً أو شهراً أو سنة، فالرواة سألوا أبا هريرة فقالوا: أربعون يوماً؟ قال: أبيت، يعني: إني لا أتكلم إلا بما أعلم، فلم يخبرني النبي ﷺ، هل هي أربعون يوماً أو غيرها، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، ثم قال: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، منه يركب الخلق).
فالإنسان إذا مات يتحول كله إلى تراب إلا عجب الذنب، وهو آخر العمود الفقري، والمكان الذي يكون منه ذيل الحيوان، هذا المكان الذي في الإنسان لا يبلى، ويخفيها الله ﷿ بما يشاء، ولا تأكلها الأرض.
والذين يحرقون الجثث في بعض بلاد الكفار حين يموت الميت، يتعجبون من أن الجثة كلها تحترق إلا هذه العظمة التي في آخر الإنسان فإنها لا تحترق فيدفنونها أو يلقونها، وقد أخبر النبي ﷺ بذلك في هذا الحديث، وأن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، والمعنى: أن الإنسان يكون مثل النبات، فالنبات ينبت من حبة صغيرة حتى يكون شجرة كبيرة، وكذلك الإنسان ينبت يوم القيامة من عجب الذنب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.