تفسير أحمد حطيبة
تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً)
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، ختامٌ جميلٌ للمقدمة، وتمهيد لما يسوقه بعد ذلك فيدخل في قصة من القصص، يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل:٧]، وإذ: منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، أي: اذكر وقت قول موسى ذلك لأهله، فقد قتل موسى القبطي وفر إلى الشام خوفاً من فرعون، وهنالك دبر الله ﷿ له أمره، وأغناه من فقره عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك أمره فخرج من الشام وجاء إلى طور سينين، أي: جاء إلى مصر ثانية.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل:٧]، أي: زوجته ﵊، إذاً: فموسى كان خارجاً من بلاد الشام فجاء إلى مصر، ولما وصل إلى جبل الطور وهو في المكان المبارك قال لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ [النمل:٧]، وآنس بمعنى: أبصر وأحس بشيء أمامه، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل:٧]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع، وأبي جعفر، وابن كثير، وأبي عمرو ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل:٧].
وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧]، يعني: جزم بذلك ثقة في الله ﷾، فإن موسى تاه في الطريق ﵊، وهو قادم من الشام إلى مصر، ولما وصل إلى طور سينين تاه، وكانت ليلة باردة شديدة البرد، مظلمة شديدة الظلام.
فاحتار أين يذهب، وكان لم ينبأ بعد ولم يرسل ﵊، فأراه الله ﷿ ناراً من بعيد، فنظر وقال لأهله: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) يعني: يطمئنهم (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ)، أي: سأذهب متوجهاً إليها وآتيكم منها بخبر يدلني على الطريق، أو إذا لم يكن هناك خبر فعلى الأقل: (آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ)، يعني: شعلة من النار، وقراءة الكوفيين عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل:٧]، على التنوين في الاثنين، والشهاب: الخشبة التي في آخرها شعلة من النار، والشهاب القبس: المقتبس من هذه النار، فهي جزء من النار مقتبس، وباقي القراء يقرءونها: (بشهاب قبسٍ) على الإضافة، فقوله تعالى: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، يعني: بشعلة من النار مقتبسة من هذه النار التي أراها، ثم قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، الاصطلاء بمعنى: الاستدفاء أي: تستدفئون من شدة البرد.