تفسير أحمد حطيبة
الشعر بمنزلة الكلام
روى البخاري في الأدب والدارقطني عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام).
فالشعر موهبة من الله ﷿ للإنسان، وهذا الشعر يكون حكمه بحسب الموضوع الذي قيل فيه هذا الشعر، فإن كان الموضوع موضوعاً جيداً ومن المواضيع النافعة فالشعر حسن فيها، وأن كان الموضوع موضوعاً تافهاً فالشعر فيه مثله، فالشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام.
والنبي ﷺ قد استمع للشعر، قال أحد الصحابة -وهو الشريد السلمي -: ردفت رسول الله ﷺ يوماً فقال: (هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟)، وأمية بن أبي الصلت شاعر جاهلي، وكان يقول شعراً في غاية الجودة والجمال، ويكاد شعره ينطق بالتوحيد، ومع ذلك لم يؤمن، فكفر قلبه وآمن شعره، فكان النبي ﷺ يحب أن يسمع هذا الشعر الذي فيه التوحيد، قال: (هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قال: قلت: نعم، قال: هيه) (هيه) يعني: قل وأسمعني، قال: (فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت)، فهذا الصحابي كان يحفظ الشعر، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، بل استمع هذا الشعر منه.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) أي: كاد ولم يسلم، فشعره مليء بالتوحيد ولكنه لم يسلم.
وكثير من الصحابة كانوا يحفظون الشعر، وكان كثير منهم يقول الشعر، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، بل بعضهم قال الشعر بحضرته ﷺ، وما من أحد من آل بيته ﷺ إلا وقال الشعر كعمه العباس وعلي بن أبي طالب ﵄ وغيرهما من آل بيت النبي ﷺ، بل ومن نساء آل البيت من قالت الشعر، فالشعر ليس قبيحاً إلا أن يكون الموضوع الذي يتكلم فيه الشاعر موضوعاً قبيحاً.
وقد ورد أن العباس مدح النبي ﷺ بأبيات شعر، وقال للنبي ﷺ: لقد قلت فيك شعراً، ويريد أن يسمع النبي ﷺ ذلك، فقال للنبي ﷺ: من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسراً وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق فقال له النبي ﷺ: (لا يفضض الله فاك).
وهذا الشعر قاله العباس في النبي ﷺ، ومعناه: (من قبلها) أي: من قبل ما تجيء في هذه الدنيا (طبت في الظلال) يعني: طبت في الجنة.
(وفي مستودع حيث يخصف الورق) يقصد قصة آدم وحواء لما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، والمعنى أنت كنت في صلب آدم وهو في الجنة.
قال: (ثم هبطت البلاد)، إلى آخر ما ذكره للنبي ﷺ.
وأيضاً جاء عن أبي بكر ﵁ أنه قال شعراً، فمن قوله ﵁ لما مات النبي ﷺ: فقدنا الوحي إذ ولّيت عنا وودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهيناً توارثه القراطيس الكرام فقد أورثتنا ميراث صدق عليك به التحية والسلام وكان للنبي صلوات الله وسلامه عليه شعراء مثل حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير وغيرهم ممن كانوا يقولون الشعر، ويمدحون النبي ﷺ، ويمدحون دين الله سبحانه، ويدافعون عن الدين، ويهجون الكفار المجرمين.
وكان حسان يدافع عن النبي ﷺ، والنبي ﷺ لما طلب منه أن يرد عليهم حذره أن يسب الأنساب؛ لأن النبي ﷺ له نسب فيهم، فإذا سب آباءهم فكأنه يسب النبي ﷺ، فحذره فقال: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وهذه من البراعة التي كان عليها حسان ﵁، حيث يدافع عن النبي ﷺ ويهجو المشركين، ويسل النبي ﷺ منهم من غير أن يتعرض لنسبه بشيء ﷺ.
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ جاءه حسان وكعب بن مالك وابن رواحة لما سمعوا هذه الآيات المكية، وقالوا للنبي ﷺ: يا نبي الله! أنزل الله تعالى هذه الآية وهو تعالى يعلم أنا شعراء، فقال: (اقرؤوا ما بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] حتى بلغ: ﴿وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٧])، فقال النبي ﷺ لهم: (انتصروا ولا تقولوا إلا حقاً، ولا تذكروا الآباء والأمهات) يعني: انتصروا لهذا الدين واهجوا المشركين ولكن لا تسبوا الآباء والأمهات.
ومن شعر حسان ﵁ أنه هجا أبا سفيان قبل إسلامه عندما هجا أبو سفيان النبي ﷺ، فقال له حسان: هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء فـ حسان رضي الله ﵎ عنه يهجو هؤلاء ويقول للنبي ﷺ: أفديك أنا وأبي وأمي، وكلنا نفدي النبي صلوات الله وسلامه عليه.