دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم
الاستغفار ودوره في أعمال العبد
ثم قال ﷿: (وَاسْتَغْفِرْهُ) قال البعض: إذا كان الاستغفار على الذنب فيكون الاستغفار في حق النبي ﷺ زيادة في الحسنات ورفعة في الدرجات؛ لأن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي، فمثل هذه الآيات كثيرة في القرآن، فإنما تحمل على أن الاستغفار في ذاته عبادة يتعبد بها، وإن لم تقع معصية أصلاً.
والبعض قال: إن هذا من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين) أو من باب شعور الأنبياء بالتقصير في حق الله ﷾، ومن أجل ذلك ينسب إليهم الذنب.
أو أن التوبة هي دعوة الأنبياء والرسل، فهذا آدم ﵊ يقول الله تعالى عنه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ويقول نوح ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] ويقول إبراهيم ﵊: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨] فيكون هذا تعليماً منه ﷺ لأمته حتى يستغفروه ﷾، وقيل: هو رفع لدرجاته ﷺ.
وقال النبي ﷺ: (توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة).
إذاً التوبة هي دعوة الأنبياء، فتكون -أيضاً- من باب الاستكثار من الخير والإنابة إلى الله ﷾.
وجاء عند جميع المفسرين أنه ﷺ منذ نزلت هذه السورة لم يكن يدع أبداً قول: (سبحانك -اللهم- وبحمدك) تقول عائشة ﵂: يتأول القرآن.
حيث روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلا يقول فيها: سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، اللهم! اغفر لي.
يتأول القرآن) وفيه عنها أيضاً: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، اللهم! اغفر لي.
يتأول القرآن).
قال الحافظ ابن حجر: معنى (يتأول القرآن) يجعل ما أمر به من التهليل والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور، كان إذا سلم من الصلاة يقول: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله)، وإذا خرج من الخلاء كان يقول: (غفرانك)، وورد الأمر بالاستغفار -أيضاً- عند انقضاء المناسك في قوله ﷾: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩].
إذاً: الاستغفار دائماً يكون في خواتيم الأمور ليجبر ما كان فيها من نقص أو مداخلة رياء.
فمن حق النبي ﷺ علينا أن نتأسى به في ذلك.
وأمره ﷺ بالاستغفار في خاتمة حياته في سورة التوديع التي نعي فيها إليه نفسه الشريفة ﵌ مع التسبيح فيه امتثال للأمر،، ومن باب الاحتراز من المعاصي، فيكون أمره بذلك مع عصمته أمراً لأمته، وأن الاستغفار من التواضع، وهو مع ذلك عبادة في نفسه.