دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم
مخاصمة الكافر لأعضائه
هناك حديث يبين حواراً يجري بين العبد وبين ربه يوم القيامة، كان موضع عجب واستغراب من رسول الله ﷺ، حتى أضحك هذا الموقف رسول الله ﵌، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، قال: هل تدرون ممّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، ثم يختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً! فعنكن كنت أناضل).
قوله: (أن النبي ﵌ كان جالساً مع أصحابه ﵃ فضحك) وفيه إيماء إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يضحك إلا لأمر غريب، أو لحكم عجيب، فلهذا الحكم العجيب ضحك النبي ﵌.
قوله: (فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب! ألم تجرني من الظلم؟)، يعني: ألم تؤمّنّي من الظلم في قولك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي)، وقوله ﷾: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي فيها أن الله لا يظلم شيئاً.
(فيقول العبد: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى) يعني: بلى أجرتك من الظلم، (فيقول: فإني لا أجيز على نفسي) يعني: لا أقبل ولا أجيز شهادة أحد علي، بل لا أقبل إلا شهادة نفسي.
فيقول: (فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني) أي: من جسمي، وهنا يومئ هذا العبد الظالم إلى أن الملائكة تنبئوا علينا الفساد قبل الإيجاد، فيقول من أجل ذلك: لا أقبل شهادة الملائكة علي؛ بناءً على أن الملائكة قالوا عنا قبل أن نوجد في هذا الوجود: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فمن أجل ذلك يزعم هذا الظالم أنه لا يقبل إلا شاهداًَ من نفسه، ولا يقبل شهادة الكرام الكاتبين، فيعطيه الله تعالى ما طلبه وأراده، فيقول له: (كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً) أي: سوف أجعلك تشهد على نفسك، ثم زاد الله ﷾ هذه الشهادة تأكيداً وتقريراً فقال: (وبالكرام الكاتبين شهوداً) يعني: الكاتبين لصحائف عملك شهوداً.
وهذا يدل على أن الظالمين سوف يزعمون بعض الدعاوى، ويتكلمون في بداية الأمر كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: ما كنا ندعو من دونك من شيء، وكقولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل:٢٨]، فيتبرءون مما كانوا يعملون، وآخر يقول: قد صمت، وصليت، وتصدقت، وفعلت كذا وكذا فحينما يطلبون الشهادة من أنفسهم على أنفسهم يختم على أفواههم، ويحول الله ﷾ دون فم العبد ودون الكلام.
قال بعض العلماء: إنه يختم على فيه لكن يخلق الله تعالى في لسانه إرادة ونطقاً، بحيث ينطق اللسان والفم مطبق، وهذا من قدرة الله ﷾.
وبعضهم يقول: إن بعض الذنوب يختم بسببها على فم الإنسان وتنطق أركانه وأعضاؤه كما يأتي إن شاء الله فيما شاكلها من الآيات.
قوله: (ثم يختم على فيه، فيقال لأركانه -يعني: لأعضائه وجوارحه-: انطقي، قال: فتنطق بأعماله) يعني: كل عضو ينطق بالعمل الذي باشر العبد به هذا العمل بهذه الأعضاء والأركان.
قال: (ثم يخلى بينه وبين الكلام) يعني: يترك، وتعاد إليه القدرة على الكلام، فيُرفع الختم عن فيه حتى يتكلم، وشهادة الألسنة ثابتة كما في قوله ﷾: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، والمقصود كلام يأتي على خرق العادة، وليس كلاماً بإرادة الإنسان كما في كلامه الطبيعي، وحينما تعاد إليه القدرة على النطق ويرفع الختم من على فيه يقول: (بعداً لكن وسحقاً) أي: هلاكاً لكن أيتها الأعضاء! (فعنكن كنت أناضل) أي: من أجل خلاصكن من العذاب كنت أناضل، أي: أجادل وأخاصم وأدافع، وأصل المناضلة المراماة بالسهام، والمراد بالمناضلة هنا أي: المحاجة بالكلام، وأما جواب الأعضاء فمحذوف، وتقديره دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢١ - ٢٣]، فكان هذا جواباً لهذه الأعضاء كما دلت عليه آيات سورة فصلت.
وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وكذلك الحديث الذي فيه قول النبي ﵊: (اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر منها: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، بأن المراد بذلك: الأنفس، فتعم الرجال والنساء، فقذف المحصنات الغافلات المؤمنات يعني: قذف الأنفس المحصنات الغافلات المؤمنات، سواء كانت هذه النفوس المحصنات من المؤمنين أو من المؤمنات، من الرجال أو من النساء، وهذا يدل على أن القذف كبيرة في حق الرجال والنساء، لكنه يكون أشد في حق النساء.
وقد ذكر الله ﷾ في حق هؤلاء الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات أنهم لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم، ثم قال ﷾: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، فذكر أن الألسنة أنفسها تشهد، والجمع بين ذلك وبين الختم على الأفواه أنه يختم على الفم، فينطق اللسان بقدرة الله ﷾ والفم مختوم عليه، فيشهد بما عمله.
وسياق الآيات في سورة النور في الإنكار على من افترى حديث الإفك، فمن أجل ذلك كان مناسباً أن تنطق ألسنتهم التي باشرت وتداولت حديث الإفك، وخاضت فيه.
وقد بين ﷾ في سورة (يس) أن بعض أجزاء الكافر تشهد عليه غير اللسان، كقوله ﷾: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
وقال ﷾: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢١] إلى آخر الآيات.
ومن الآيات المتعلقة بهذا الحدث العظيم قوله ﷾ في أحداث يوم القيامة والحساب: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] فيتمنون أن يستووا بالأرض فيكونون تراباً مثلها.
قوله: (لو تسوى بهم الأرض) يعني: بأن يكونوا تراباً مثل تراب الأرض، ويشهد لذلك قوله ﷾: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] يتمنى أن يكون تراباً.
قوله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) بين الله ﷾ أن عدم الكتم المذكور هنا إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم، فعدم الكتمان ليس بإرادتهم، وليس كلاماً عادياً منهم، لكن المقصود به ما أتى في سورة (يس)، وسورة (النور)، وسورة (فصلت) من أن أعضاءهم تنطق وتعترف بكل فعل وذنب اقترفوه في الدنيا، (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي: رغماً عنهم، وذلك بقدرة يخلقها الله ﷾ في أعضائهم، فتصرح وتفشي، ويفتضح أمرهم على رءوس الخلائق، وبين يدي الله ﷾.
فالمقصود: أن عدم الكتم المذكور هنا إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا وذلك عند الختم على أفواههم، فحينئذ يتكلمون بقدرة الله، وتنطق جوارحهم، ولا يكتمون الله حديثاً، فهم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم وقالوا: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، أو يقول المنافق: صمت، وصليت، وتصدقت، وفعلت وفعلت، فحينئذ يختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم، يقول ﷾: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فلا يتنافى قول الله ﷾: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) مع قوله ﷿ حاكياً عن المشركين أنهم يقولون: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) هذا في بداية الحساب، أعني: حلفهم وتبرئهم من أفعالهم، وكذلك قولهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، وقولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر:٧٤]، فهذا يكون أولاً، وحينئذ يختم الله على أفواههم ثم لا يكتمون الله حديثاً، وهذا على الوجه الذي