دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم
التفرغ لطاعة الله
ومن أسباب الرزق التفرغ لطاعة الله ﷾: وليس المقصود من التفرغ لطاعة الله ﷿ أن يترك السعي لكسب العيش، ويمكث في المسجد ليل نهار، وإنما المقصود أن يظل قلبه موصولاً بالله ﷾ في كل أحواله دون انقطاع، فالمؤمن لا يعرف: ساعة لربك وساعة لشيطانك وساعة لقلبك المريض؛ كما هو حال بعض الناس، حيث يصلي في المسجد ثم يرتكب المعاصي والمحرمات خارج المسجد، ويقول: ساعة لقلبك وساعة لربك، ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢] لأن قلب المؤمن موصولٌ بالله ﷿ في كل أحواله، لا يقطع هذه الصلة أبداً، سئل بعض السلف: هل القلب يسجد؟ قال: يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها أبداً، أي: إذا تاب وأناب ثبت على الخضوع لله ﷾، ولا يزول عن صفة السجود، فيظل ساجداً دائماً، فقلب المؤمن في كل أحواله يكون موصولاً بالله ﷿، حتى وهو يلهو اللهو المباح أو يعمل في الدنيا.
فمعنى التفرغ لطاعة الله ﷾: أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله ﷿ يراه.
والدليل على كون التفرغ لعبادة الله ﷿ من مفاتيح الرزق ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسد فقرك).
(يا ابن آدم تفرغ لعبادتي) أي: بالغ في تفريغ قلبك لعبادتي.
(أملأ صدرك غنى) أي: أملأ قلبك الذي في صدرك غنى؛ لأن الغنى غنى النفس كما بين النبي ﷺ، وهذا هو أعلى درجات الغنى، يقول الشاعر: غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به واستغناؤك عن الشيء هو عين الغنى، وليس الغنى بما تملكه في يديك من عرض الدنيا، وإنما الغنى غنى النفس وغنى القلب.
وقوله: (وأسد فقرك) أي: أسد باب حاجتك إلى الناس، (وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسد فقرك) ذكر اليدين لأن الإنسان يزاول الاكتساب دائماً باليدين، وأغلب التصرفات تكون باليدين.
وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: (من كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) أو كما قال ﷺ.
وعن معقل بن يسار ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً).