Skip to content

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم شرح حديث: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه)

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Printed page ١٧/ ٢

شرح حديث: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه)

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من مات ولم يغز، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق) رواه مسلم.

قوله ﷺ: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه) (لم يحدّث) بالتشديد أي: لم يكلم، (به) أي: بالغزو، (نفسه) أي: لم يعزم على الجهاد في سبيل الله ﵎، ولم يقل: يا ليتني كنت مجاهداً.

وقيل: معناه: لم يرد الخروج للجهاد في سبيل الله ﷿، وعلامته في الظاهر إعداد آلته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦]، ويؤيده قوله: (مات على شعبة من نفاق) أي: نوع من أنواع النفاق، أي: من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد، و (من تشبه بقوم فهو منهم).

قال بعض العلماء: إن هذا كان مخصوصاً بزمن النبي ﵌، قال القاري في مرقاة المفاتيح: والأظهر أنه عام، وأنه يجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد، إما بطريق فرض الكفاية، أو على سبيل فرض العين، وإذا كان اللفظ عاماً فيصير الجهاد فرض عين، ويستدل بظاهره لمن قال: الجهاد فرض عين مطلقاً، وهذا سنناقشه إن شاء الله بالتفصيل.

وفي شرح مسلم للنووي: قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: نرى أن ذلك على عهد رسول الله ﷺ.

أي: أن هذا كان خاصاً بعهد النبي ﷺ، وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقال غيره: إنه عام، والمراد أن من لم يحدث نفسه بالغزو، فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله ﷿ في هذا الوصف؛ لأنهم يتخلفون كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] والسياق في المنافقين، فترك الجهاد أحد شعب النفاق.

وفيه: أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وهذه فائدة علمية، فلو أن رجلين ماتا، وقد ضيعا أو تركا عبادة معينة، وقد نوى أحدهما أن يفعلها فمات قبل أن يفعل ما نوى عليه، والآخر لم ينو فعلها، فلا يستوي من نوى أن يؤديها وعزم على فعلها، مع من مات وهو لم يعزم على فعلها.

يقول النووي: اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها، فأخرها بنية أن يفعلها ومات، أو أخر الحج كذلك، قيل: يأثم فيهما، وقيل: لا يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج دون الصلاة.

هذه بعض الفوائد المتعلقة بهذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق).