شرح رياض الصالحين - حطيبة
جواز البكاء على الميت بغير ندب
يقول الإمام النووي ﵀: [باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة].
أي: يبكي من غير أن يندب الميت، ويذكر محاسنه، وينوح عليه، ويرفع صوته بالبكاء عليه، فهذا لا يجوز لا من رجال ولا من نساء.
والنياحة محرمة، وقد أتت فيها أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، وأيضاً البكاء على الميت بعضه يدخل في الحرام، وهو البكاء بطريقة النياحة، أو بشيء فيه اعتراض على قضاء الله ﷿ وقدره، وأما البكاء الذي لا يتجاوز دموع العين فلا شيء في ذلك.
عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فبكى رسول الله ﷺ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال ﷺ: (ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه)، صلوات الله وسلامه عليه.
عاد النبي صلوات الله وسلامه عليه سعد بن عبادة، وكأنه أخبر بشيء فبكى ﷺ، فقالوا له في ذلك، وجاء في حديث أسامة السابق أن النبي ﷺ قال عن الدموع التي سالت على ابن ابنته صلوات الله وسلامه عليه، قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
أيضاً: (دخل النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفنان)، فهذا ابن النبي ﷺ مات والنبي ﷺ قد جاوز الستين من عمره ﷺ، وابنه صغير له ثمانية عشر شهراً أو دون السنتين، فالنبي ﷺ بكى، وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: (وأنت يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ: يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى)، يعني: نزلت دموع النبي ﷺ، فقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
هذا منه صلوات الله وسلامه عليه بيان أنه رحيم القلب، وأنه يتجلد ويصبر ولكنه لا يمثل ﵊، فالإنسان الذي يبكي ليس مطلوباً منه أن نقول له: لا تبك واضحك، فهذا ليس مطلوباً منه في هذا الموقف، وإنما المطلوب أنه لا يجزع، وأن يكون رحيماً، ولكن لا يصل إلى درجة أنه يرفع صوته ويتضجر أو يصرخ على الإنسان المتوفي، إذاً: فتحرم النياحة على الميت من رجال أو نساء.