شرح رياض الصالحين - حطيبة
شرح حديث (أقبضتم ولد عبدي
؟)
عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟)، فلله سبحانه أن يبتلي من يشاء من عباده بما يشاء سبحانه، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا غالب لأمره ﵎، والأصل أن الإنسان لا يتمنى المصيبة، كما قال النبي ﷺ: (لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا)، لكن إذا نزلت المصيبة فعلى الإنسان أن يتصبر ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
ففي الحديث: أن العبد إذا ابتلاه الله فمات له ولد -ابنه أو ابنته- فالله ﷿ يسأل الملائكة وهو أعلم سبحانه ﵎، ويريد أن يباهي بعبده هذا أمام الملائكة، وأن هذا العبد يستحق الرحمة، ويستحق المدح، فأنتم قلتم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟﴾ [البقرة:٣٠]، لكن انظروا ما ردة فعله؟ فالله يسأل الملائكة وهو أعلم سبحانه، يقول: (قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم.
فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟)، فأغلى شيء عند الإنسان هو ثمرة قلبه وفؤاده، أقبضتموه؟ فتقول الملائكة: نعم.
فيقول الله وهو أعلم سبحانه: (فماذا قال عبدي؟) وهو أعلم سبحانه، ولكن أراد سبحانه أن يباهي بعبده هؤلاء الملائكة، فتقول الملائكة لله ﵎: (حمدك واسترجع) يعني: قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، فيقول الله سبحانه ﵎: (ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)، وهذا علامة على حمد هذا العبد وعلى صبره، فيجعل الله ﷿ له بيتاً يليق بصبره على هذه المصيبة العصيبة، وليس أي بيت ولكن بيت في الجنة ومن قصور الجنة العظيمة، بل ميزوا هذا البيت بهذه التسمية: بيت الحمد، فمن يحمد الله سبحانه ﵎ والله يعطيه الأجر العظيم.
فإذا أنعم الله ﷿ على عبد بنعمة فحمده العبد كان هذا الحمد من العبد أحب إلى الله من النعمة التي أعطاها لعبده، وهذا كله من فضل الله سبحانه ﵎، وهذه نعمة وهذه نعمة، وكله من الله، فالله هو الذي رزق العبد المال والطعام والشراب والولد والإيمان، وهو الذي وفق العبد لهذه الكلمة، ودله عليها، وهداه إليها، فإذاً نعمتان من الله: نعمة الرزق، ونعمة الحمد.
فالعبد يقول: الحمد لله، فينسب الله ﷿ ذلك للعبد، وإن كان هو صاحب هذا التوفيق سبحانه ﵎، ويقول: هذا الذي من العبد أحب إلي من هذه النعمة التي أعطيتها له، فإذا كان الحمد لله سبحانه ﵎ له هذه المزية العظيمة، فكيف يكون ثواب الحمد ببيت يسمى بيت الحمد عند الله؟! إن (الحمد إذا قورن بثواب الذكر كان الحمد أعلى في الثواب، فالعبد يقول: سبحان الله، فيؤجر عشرين حسنة، ويقول: الله أكبر، فيؤجر عشرين حسنة، ويقول: الحمد الله، فيؤجر ثلاثين حسنة.
فإذا مات للإنسان ولد أو حبيب وقال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإن الله ﷿ يجعل لهذا الذي توفي ابنه بيتاً في الجنة ويسميه بيت الحمد، ويباهي الملائكة بهذا العبد الذي حمد الله واسترجع.