Skip to content

شرح رياض الصالحين - حطيبة نماذج من إظهار النبي والصحابة التوجع للغير

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٨٦/ ٤

نماذج من إظهار النبي والصحابة التوجع للغير

جاء في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) فهو يشكي للنبي ﷺ ما بلغ به من المرض، وقد ظن سعد بن أبي وقاص أنه سيموت في هذا المرض، والنبي ﷺ أخبره بأنه لن يموت في ذلك المرض، بل سيعمر فوق ذلك، وحدث ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.

فـ سعد بن أبي وقاص شكى للنبي ﷺ وجعه فلم ينكر عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه تلك الشكوى، فلما اشتكى وجعه قال للنبي ﷺ: (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) أي: عندي مال، (ولا يرثني إلا ابنتي) وكان في ذلك الحين يظن أنه سيموت، فأراد أن يتصدق بماله كله، فمنعه النبي ﷺ، فقال: النصف، فقال: (لا، قال: الثلث، قال: الثلث والثلث كثير) أي: لك أن توصي بالثلث والثلث أيضاً كثير، وقال له: (لعل الله ﷾ أن يمد لك في عمرك)، وكان ما قال، حيث عاش بعد النبي ﷺ زمناً طويلاً.

ومن الأحاديث حديث جاء فيه أن عائشة قالت في يوم من الأيام: وارأساه! حيث اشتكت صداعاً أصابها رضي الله تعالى عنها، وكان النبي ﷺ راجعاً من جنازة ﵊ وهو أيضاً يشتكي من رأسه ﵊، حيث أصابه صداع في رأسه، وكان ذلك هو بدء مرض وفاته ﵊.

فالسيدة عائشة تشكو من الصداع وتقول: وارأساه! فقال النبي ﵌: (بل أنا وارأساه) أي: أنا أتألم أكثر منك، ثم قال: (ما ضرك لو أنك مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) وهذا من النبي ﷺ إخبار بأحكام شرعية وهي أن السيدة عائشة ﵂ لو ماتت قبل النبي ﷺ لقام هو عليها فغسلها وكفنها وصلى عليها.

وكونه يقول ذلك فيه جواز أن يغسل الرجل امرأته بعد وفاتها، فالنبي ﷺ لن يتكلم إلا بوحي من الله ﷿، ولن يفعل إلا ما يجوز، فيقول: (ما ضرك أن لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) فهذا قاله ﷺ وبدأ به الوجع من ذاك الحين.

فالشاهد من الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ قالت: (وارأساه!) متوجعه من الصداع ولم ينكر عليها النبي ﷺ، بل قال هو أيضاً: (بل أنا وارأساه) ﵊، ففيه جواز قول المريض: إني أتوجع، أو رأسي يؤلمني، أو بي مرض، أو الألم شديد بي، بشرط ألا يكون على وجه التسخط، بل الإخبار عما به مع عدم المبالغة في ذلك.