شرح رياض الصالحين - حطيبة
حكم الشرب والأكل قائماً
ذكر المؤلف باب جواز الشرب قائماً، وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعداً.
قد مر حديث سابق معنا في جواز الشرب قائماً وهو حديث أم ثابت حيث ذكرت (أن النبي ﷺ شرب عندها وهو قائم ﵊.
وهنا حديث لـ ابن عباس ﵄ قال: (سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم) ﵊.
وفيه أن النبي ﷺ جاء عند بئر زمزم وشرب وهو قائم ﵊ مما يدل على الجواز؛ لأنه لن يفعل الشيء المحرم ﵊.
وحديث آخر للنزال بن سبرة ﵁ قال: (أتى علي ﵁ باب الرحبة فشرب قائماً)، والرحبة: موضع في الكوفة.
فـ علي بن أبي طالب لما وجد أن النبي ﷺ فعل ذلك ليدل على الجواز، شرب هو أيضاً في الكوفة ﵁، وقال: (إني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت)، الحديث في البخاري والذي قبله في الصحيحين.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام)، الحديث رواه الترمذي، وإسناده حسن أو قريب من ذلك، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وهذا محمول على الحاجة لا على السبيل العادة لهم؛ إذ لا يعقل أنهم كانوا لا يأكلون إلا وهم ماشون في الطريق، وإنما الأمر محمول على سبيل الحاجة كما قلنا، كأن يكونوا في جهاد، أو استعجال من أمرهم، فيضطرون إلى الأكل وهم يمشون.
وقوله: (ونشرب ونحن قيام) يعني: إذا احتجنا إلى ذلك.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً)، لكن كان أكثر أحواله ﷺ الشرب قاعداً ﵊، والحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقد ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب جملة أحاديث، بعضها في إسناده شيء، لكن يشهد بعضها لبعض أنه شرب وهو قائم.
وفي حديث لـ أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه (نهى أن يشرب الرجل قائماً)، وهذا نهي منه ﷺ، وبدأ الإمام النووي بتقديم أحاديث شربه قائماً ﷺ؛ حتى لا يظن أن النهي على التحريم.
فقال هنا: (نهى النبي ﷺ أن يشرب الرجل قائماً.
قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث)، هذا في صحيح مسلم.
والذي قال ذلك هو أنس بن مالك ﵁، وأنس هو خادم النبي ﷺ، وله اختصاص بخدمة النبي ﷺ ورؤيته ﷺ كثيراً؛ لأنه خادمه منذ أن قدم النبي المدينة إلى أن توفي ﷺ، فخدمه وعمره عشر سنوات إلى أن بلغ عمره عشرين سنة وهو يخدم النبي ﷺ في المدينة، فهو رأى النبي ﷺ يجلس عندما يشرب أو يأكل ﵊، وهو روى أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائماً، فقيل له: والأكل قائماً؟ فقال تفقهاً: (ذاك شر وأخبث)، فهذا من قول أنس وليس من قول النبي ﷺ.
وفي رواية: (زجر -بمعنى نهى- النبي ﷺ عن الشرب قائماً).
حديث آخر في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسي فليستقئ) رواه مسلم.
وهذا الحديث فيه النهي عن الشرب قائماً، وفيه أيضاً شيء من التعزير وهو أنك إذا نسيت وفعلت هذا الشيء فاستقئ، وليس محمولاً على الوجوب، ولكنه كنوع من التأديب حتى يعود الإنسان نفسه على أدب الشرب قاعداً، وكذلك علماء الطب يقولون: إن الشرب قاعداً أفضل من الشرب قائماً، قالوا: لأن الإنسان إذا شرب قاعداً نزل الشراب من فمه نزولاً خفيفاً هيناً، أما إذا كان قائماً فإنه ينزل متدفقاً ومندفعاً نحو المعدة.
أضف إلى ذلك أنه إن كان التخيير للإنسان في الشرب قائماً أو قاعداً إلا أنه يقال لك: لا تشرب وأنت واقف.
وإن كان الأطباء في الماضي يقولون: يستوي فعل هذا وهذا.
وذلك نظير ما كانوا يجهلونه من الطب.
ولقد كان يقال سنة ألف وتسعمائة ونيف وخمسين: ليس على الإنسان حرج في جماع المرأة وهي حائض، وإنما النهي عنه موجود في الشرائع السماوية فقط، أما طبياً فليس فيه شيء! وهذا دليل على جهلهم، حيث قد نهانا الله ﷿ عن ذلك فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
وتمر خمسون سنة على هذا الأمر ثم يغير الأطباء قولهم، حيث يكتشفون أن دم الحيض دم متعفن، وأنه مليء بالميكروبات، فلو جامع الرجل امرأته في هذا الحال لتأذى الرجل يقيناً بهذه الميكروبات الموجودة في هذا الدم، حيث تدخل إليه عبر القضيب فضلاً عن أن المرأة تتأذى بهذا الشيء أيضاً؛ لأنها إذا جومعت وقت حيضها وكان منها اندفاع أدى ذلك إلى زيادة في ضغط الدم؛ لأجل أن يخرج هذا منها، فيؤدي إلى طروء التهابات في أعضائها، فتتأذى من الرجل إذا جامعها وهي على هذه الحال.
وأحياناً تكون هناك بعض الميكروبات موجودة في المرأة وهي ساكنة، وبسبب جماع المرأة تنشط هذه الميكروبات فتؤذي المرأة وتظهر أثرها عليها.
فهذه أبحاث جديدة اكتشفوا بعد فترة من جهلهم، فكانوا لا يعرفون شيئاً عنها! فالنبي ﷺ لا يأمرنا بشيء إلا وفيه الخير لنا، ولا ينهانا عن شيء إلا وفيه الشر لنا.
ولذلك نهانا النبي ﷺ عن الشرب قائمين في حالة الاختيار، وأرشدنا إلى جواز ذلك حالة الحاجة والضرورة، كما فعل النبي ﷺ ذلك عند زمزم، وعند أم ثابت حيث شرب وهو قائم ﷺ.
ولذلك كان النبي ﷺ يؤدب المسلم ويربيه على ذلك، حتى يعود نفسه عليه.
ولقد كان يؤدب أصحابه أحياناً ببعض العقوبات عليهم، ومن ذلك الأمر بإهراق الشراب إذا حل فيه قذى، فهو ليس محمولاً على الوجوب، وإنما هو أمر إرشاد منه وتأديب للرجل.
ومن ذلك أيضاً وجد أصحابه مرة قد طبخوا القدور وفيها لحم الحمير، فقال لهم النبي ﷺ: (أهرقوها واكسروا آنيتكم) أي: صبوا اللحم ومرقه، واكسروا الأواني التي طبختم بها، (قالوا: أو نغسلها؟ قال: اغسلوها).
فنلاحظ هنا أن الأمر الأول بكسر هذه الآنية محمول على الإرشاد والتأديب لهم، وإلا فلو كان أمراً واجباً لأصر على ذلك، ولكنه أراد تأديب أصحابه فعمد إلى هذه العقوبة التعزيرية.