Skip to content

شرح رياض الصالحين - حطيبة غضب الرسول من إطالة الصلاة بالناس

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٥١/ ٥

غضب الرسول من إطالة الصلاة بالناس

وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا)، هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ غضب، وجاء في حديث أن معاذاً أطال بالناس في صلاة العشاء، لكن هذا الحديث كان في صلاة الصبح، وهو أن الإمام كان يصلي بهم ويطيل جداً في صلاة الصبح؛ لأن الرجل قال: (إني لأتأخر عن صلاة الصبح) أي: أتعمد أن أتأخر حتى تذهب ركعة، ومن ثم ألحق الركعة الثانية؛ لأنه يطول بنا جداً، فأتعب في الوقوف في الصلاة، قال أبو مسعود: (فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة).

هذه النصيحة العظيمة من النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن صلاة الجماعة المقصد منها أن يجتمع أهل الحي في مسجد، ويحدث التعارف فيما بينهم، وتحدث المحبة فيما بينهم، ويواظبون على جميع الصلوات الخمس مع بعض، ويحضرون الجنائز، ويعود بعضهم بعضاً إذا مرض.

إذاً: في صلاة الجماعة ألفة تجمع الناس، فإذا كان الإمام يطول بالناس فإنه ينفرهم فلا أحد يصلي معه فبدل أن يكون المسجد فيه عدد كبير يصبح فيه قلة من المصلين، فتزول الحكمة من صلاة الجماعة، وهي أن يجتمع الجميع يدعون الله ﷿، وكلما زاد العدد كانت الصلاة أزكى عند الله ﷿، وأكثر ثواباً.

وفي حديث معاذ ﵁: (أنه صلى بالناس صلاة العشاء بسورة البقرة، فتركه الرجل وصلى منفرداً، فقال النبي ﷺ لـ معاذ: أفتان أنت يا معاذ! هلا قرأت بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، (والشمس وضحاها)، و (هل أتاك حديث الغاشية))، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فذكر سوراً من قصار المفصل يقرأ بها حتى لا يمل الناس.

إذاً: إذا صليت بالناس فصل صلاةً وسطاً مائلاً إلى القصر وليس إلى الطول؛ لقول النبي ﷺ: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز)، وما سمعنا أحداً اشتكى من صلاة النبي ﷺ، وكان يصلي بهم ﷺ في صلاة الفجر فيقرأ بقدر سورة (ق)، وهي من طوال المفصل، وكان يقرأ بقدر سورة الرحمن، وسورة الواقعة، وكان يقرأ بقدر خمسين آية في صلاة الفجر أو بنحو هذا، وكان إذا صلى بهم في سفر صلى بقصار السور، بسورة الزلزلة، أو (قل أعوذ برب الفلق)، أو (قل أعوذ برب الناس).

فالإمام يراعي أحوال الناس الذين وراءه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة)، أي: فيهم الطاعن في السن الكبير، وفيهم الصغير الذي لا يتحمل الصلاة الطويلة، لكن إذا صلى الإنسان لنفسه فليطول ما شاء، أما إذا كان يصلي بالناس فليراع المأمومين الذين خلفه، ولتكن صلاته كما كان يصلي النبي ﷺ في الصلوات، ومنها صلاة الظهر فقد كان يقرأ فيها بنحو: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، مثلاً أو بأكثر منها، ويطيل في الركعة الأولى حتى يدرك الناس، لكن الإطالة الزائدة لم يفعلها إلا على الندرة ﷺ؛ لبيان الجواز، فمرة صلى بهم المغرب بسورة الأعراف.