Skip to content

شرح رياض الصالحين - حطيبة إيذاء المشركين لرسول الله يوم أحد

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٥٠/ ١٢

إيذاء المشركين لرسول الله يوم أحد

وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي صلوات الله وسلامه عليه: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟).

فقد كانت موجودة مع النبي ﷺ في المدينة في يوم أحد، وقد تزوجها النبي ﷺ ولها سبع سنوات، ودخل بها في المدينة ولها تسع سنوات، فسألت النبي ﷺ عن الأيام والسنوات الماضية التي مكثها في مكة فقد مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، ففي الخمس السنوات الأولى من بعثة النبي ﷺ لم تكن قد ولدت السيدة عائشة، ثم ولدت بعد ذلك، فهي هنا تسأله عن تلك الأيام وتقول: هل جاء عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ ويوم أحد كان يوماً عظيماً فظيعاً وقد كان المسلمون أشاروا على النبي ﷺ بالخروج، ولم يكن يريد أن يخرج ﵊، وكان يقول: (المدينة حصن حصين) أي: اتركونا ندافع عن أنفسنا في المدينة، فأبى المسلمون إلا الخروج، فقد كانوا يريدون الشهادة مثل أهل بدر، حتى تكون لهم فضيلة عند ربهم.

فخرجوا مع النبي ﷺ، وفي الطريق رجع عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش، وكان رأيه عدم الخروج مثل رأي النبي ﷺ، فلما خرج النبي ﷺ قال: أطاعهم وعصاني؟ فرجع بثلث الجيش.

وكانت صدمة للنبي ﷺ أن هذا يرجع ثلث الجيش الذين معه، ومع ذلك صبر لأمر الله سبحانه، وعندما وصل إلى أحد قام النبي ﷺ يحدد للمؤمنين المكان، واختار سبعين من الرماة وأمرهم أن يكونوا فوق الجبل ولا ينزلوا، وقال لهم: (لا تنزلوا ولو رأيتمونا تخطفنا الطير) أي: لو رأيتمونا جثثاً على الأرض والطير تأكلنا فلا ينزل أحد ويترك المكان الذي هو فيه.

وتبتدئ الحرب ويأتي نصر الله ﷿ وينتصر المؤمنون.

فطمع الرماة في الغنيمة أن يأخذها المقاتلون وحدهم، فنادى بعضهم بعضاً: ألم يأمركم النبي ﷺ ألا تنزلوا؟ فلم يسمعوا وتركوا أماكنهم ونزلوا ليأخذوا الغنيمة، فالتف المشركون من ورائهم، وقتلوا المؤمنين، فانقلب النصر إلى هزيمة؛ لأسباب هي كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢].

فالمؤمنون الصادقون ما كانوا يظنون أبداً أن منهم من يريد هذه الدنيا، وكلهم يجاهدون في سبيل الله، ولم يتركوا النبي ﷺ؟ وقالوا: ما كنا نظن أن يكون فينا أحد همه الدنيا حتى أنزل الله ﷿ هذه الآية.

فهزم المسلمون وانفرد النبي ﷺ في تسعة من المؤمنين، وكان قد جرح ﷺ، وقد كان هو المطلوب أصلاً، وكان أبو عامر الفاسق قد حفر حفراً للمسلمين فوقع النبي ﷺ في حفرة منها وجرح وانكسرت رباعيته، وهشمت البيضة فوق رأسه ﵊، ودخلت حلقتا المغفر الذي يقي وجه النبي ﷺ في خده.

ففر المسلمون وانفرد النبي ﷺ في سبعة أو تسعة من المؤمنين، وأتى الكفار على هؤلاء، فقال ﷺ: (من للقوم؟ فيقول طلحة بن عبيد الله ﵁: أنا يا رسول الله.

فيقول: مكانك) يعني: دعك إلى الآخر.

فقام إليهم رجل من الأنصار فقاتلهم حتى قتل ﵁ أمام النبي ﷺ، وهو جريح ﵊ على هذه الحال، فقال: (من للقوم؟) فقام آخر حتى قتل السبعة كلهم أمام النبي ﷺ مدافعين عنه، ولم يبق إلا طلحة رضي الله ﵎ عنه، فقال النبي ﷺ: (من للقوم؟ لم يبق إلا أنت، فقام فقاتل قتال السبعة وحده) ﵁، فضرب فقطعت أصابعه، فقال: حس، وهو صوت يقوله الشخص عندما يصاب بشيء.

قال النبي ﷺ: (لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة).