Skip to content

شرح رياض الصالحين - حطيبة حسن خلقه ﷺ مع خادمه

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٤٨/ ٧

حسن خلقه ﷺ مع خادمه

ومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث أنس ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً) وحق له صلوات الله وسلامه عليه، فهو رسول الله الذي رباه ربه ﵎، فلا أبوه حي يربيه، ولا أمه تربيه، إنما الذي رباه هو ربه ﷾، ووهبه الخلق الحسن، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فقد كان أحسن الناس خلقاً صلوات الله وسلامه عليه.

وقد كان أهل الجاهلية بعد الإسلام وقبل الإسلام يلقبونه بالصادق الأمين، الذي لا يخون، ولا يغدر، بل يفي بالعهود والمواثيق، فإذا اختلفوا حكموه بينهم وهو شاب صغير ﵊.

فلما نزل عليه الوحي زاده من فضل الله ﷾ أخلاقاً عظيمة، علمه ربه، ورباه، وأدبه ﷾، فمن عليه بذلك، وعرفنا أن الفضل بيد الله يعطيه من يشاء، فكان أحسن الناس خلقا.

فهذا أنس الذي خدم النبي ﷺ وهو صبي له عشر سنوات، حتى توفي النبي ﷺ، وعمره عشرون سنة، قال: (ما مسست ديباجاً ولا حريرا ألين من كف رسول الله ﷺ يذكر أنه يمس يده ﷺ عندما يسلم وليست يده قاسية ولا غليظة، فليس هو الشديد الذي يقسو ويجمد على من يسلم عليه، ولكن يده كريمة ﵊ وناعمة، وإن كان هو أقوى الناس ﵊.

يقول الصحابة: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ، وكنا نتحدث أنه أعطي قوة أربعين رجلاً ﵊، هذا أمية بن خلف أقسم أن يقتل النبي ﷺ، فجهَّز فرسه، وجهز رمحه، وركب الفرس وانطلق، فقام الصحابة يريدون أن يدافعوا عن النبي ﷺ، فقال: (دعوه، فأنا قاتله إن شاء الله).

والنبي ﷺ ليس راكباً وليس لديه سلاح، فأخذ رمحاً ﵊ لا نصل له، وهذا الرجل قد تجهز على فرسه، وجاء برمحه، يريد قتل النبي ﷺ، فما أن جاء الرجل وهو يعدو على فرسه، حتى استقبله النبي ﷺ برمح لا نصل فيه، فوجأه في عنقه، فأسقطه عن دابته، فرجع إلى قومه وهو يصرخ، فقالوا له: لا بأس عليك، إذا ضربك برمح ليس فيه نصل، لن يحصل لك شيء، فقال: إنه أخبر أنه قاتلي، وهو لا يكذب! فقتل الرجل بذلك.

هذا النبي الصادق الأمين عندما يسلم على أصحابه، يربت على صدورهم، ويسلم عليهم بيد ليِّنة، يقول أنس وكان صغيراً رضي الله تعالى عنه: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً) والديباج من الحرير، أي: حريراً غليظاً ولا حريراً ناعماً ليناً (ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ فرائحته ﷺ أطيب من الطيب، وكانوا إذا أرادوا تطييب طيبهم ينتظرون نوم النبي ﷺ فيعرق، وكانوا قد فرشوا له جلداً ﵊، وكان غزير العرق ﵊، فيأخذون من عرقه يطيبون به طيبهم صلوات الله وسلامه عليه.

قال: (ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف) عشر سنوات وهو يخدم النبي ﷺ، وهو صبي صغير لابد أن يخطئ، ولابد أن يفعل أشياء تضايق النبي ﷺ، فقد كان أحياناً يرسله ليأتيه بشيء، فيذهب ويلعب وينسى الشيء الذي أمره النبي ﷺ، ويأتي إليه النبي ﷺ ويقول: يا غلام! فيستحيي أنس من النبي ﷺ، فيقول له النبي ﷺ: اذهب لما أمرتك، ولا يقول له أكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

يقول أنس ﵁: (ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لمَ فعلته) أي: لم يقل له: ما الذي جعلك تفعل كذا، (ولا لشيء لم أفعله) أي: تلكأ فيه، ولم يفعله، (ألا فعلت كذا!) فكان ﷺ لا يزجره وإن أخطأ رضي الله تعالى عنه، هذا فعله مع خادم عنده ﷺ، فكيف بفعله مع باقي الناس!