ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ: (١) "أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ". قَالَ لَهُ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الإِنْسَانَ يَبْلُغُهُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ عَمِلَ الشَّرَّ فَيَرْضَى بِهِ، أَوْ يتَمَنَّى أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَهُ، فَهَذَا شَرُّ مَا لَمْ يَعْمَلْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ لَا يَشْرَبُ الخَمْرَ، فَيُعْجَبُ بِنَفْسِهِ كَيْفَ لَا يَشْرَبُ، فَيَكُونُ العَجَبُ بِتَرْكِ الذَّنْبِ شَرُّ مَا لَمْ يَعْمَلْ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ سِيْرَةِ الوَزِيْرِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ قَالَ: فِي حَمْلِ العَصَا عِظَةٌ؛ لأَنَّهَا مِنْ شَيءٍ قَدْ كَانَ نَامِيًا فَقُطِعَ، فَكُلَّمَا رَآهَا حَامِلُهَا تَذَكَّرَ المَوْتَ. قَالَ: وَمِنْ هَذَا قِيْلَ لاْبنِ سِيْرِيْنَ ﵀ رَجُلٌ رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِطَبْلٍ؟ فَقَالَ: هَذِهِ مَوْعِظَةٌ؛ لأَنَّ الطَّبْلَ مِنْ خَشَبٍ قَدْ كَانَ نَامِيًا فَقُطِعَ، وَمِنْ أَغْشِيَةٍ كَانَتْ جُلُوْدَ حَيَوَانٍ قَدْ ذُبِحَ، وَهَذَا أَثَرُ المَوْعِظَةِ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (٣) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَة، قَالَ: المَرِيْضُ يَجِدُ الطُّعُوْمَ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَيَرَى الحَامِضَ حُلْوًا وَالحُلْوُ مُرًّا، وَكَذلِكَ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ الحَقَّ بَاطِلًا، وَالبَاطِلَ حَقًّا.