ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
عَنْ ذِلِّ المُرَاءَةِ، وَفَزِعُوا عَنِ الآرَاءِ إِلَى الرِّوَاياتِ، وَتَمَسَّكُوا بالظَّاهِرِ تَحَرُّجًا عَنِ التَّأْوِيْلِ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، فَلَمْ يُدَقِّقُوا فِي العُلُومِ الغَامِضَةِ، بَلْ دَقَّقُوا فِي الوَرَعِ، وَأَخَذُوا مَا ظَهَرَ مِنَ العُلُومِ (١)، وَمَا وَرَاءَ ذلِكَ قَالُوا: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيْهَا، مِنْ خَشْيَةِ بَارِيْهَا، وَلَمْ أَحْفَظْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ تَشْبِيْهًا، إِنَّمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّنَاعَةُ لإِيْمَانِهِمْ بِظَوَاهِرِ الآيِ وَالأَخْبَارِ، مِنْ غَيْرِ تَأْوِيْلٍ وَلَا إِنكارٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي لَا أَعْتَقِدُ فِي الإِسْلَامِ طَائِفَةٌ مُحِقَّةٌ، خَالِيَةٌ مِن البِدَعِ، سِوَى مَنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيْقِ، وَالسَّلَامُ.
وَكَانَ ﵀ بَارِعًا فِي الفِقْهِ وَأُصُوْلِهِ، وَلَهُ فِي ذلِكَ اسْتِنْبَاطَاتٌ عَظِيْمَةٌ حَسَنَةٌ، وَتَحْرِيْرَاتٌ كَثِيْرَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُوْلَى فِي الوَعْظِ وَالمَعَارِفِ، وَكَلَامُهُ فِي ذلِكَ حَسَنٌ، وَأَكْثَرُهُ مُسْتَنْبِطٌ مِنَ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَيَسْتَنْبِطُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَفَضَائِلِهِ (٢) مَعَارِفَ جَلِيْلَةً، وَإِشَارَاتٍ دَقِيْقَةً، وَمِنْ مَعَانِي كَلَامِهِ يَسْتَمِدُّ أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ فِي الوَعْظِ، فَمِنْ ذلِكَ مَا قَالَهُ فِي "الفُنُونِ": لَقَدْ عظَّمَ اللهُ (٣) الحَيَوَانَ، لَا سِيَّمَا ابنَ آدَمَ، حَيْثُ أَبَاحَهُ الشِّرْكَ عِنْدَ الإِكْرَاهِ، وَخَوْفِ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ (٤): ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. مَنْ قَدَّمَ حُرْمَةَ نَفْسِكَ عَلَى حُرْمَتِهِ، حَتَّى أَبَاحَكَ